طاهر سليمان حموده
176
جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )
بحيث يعرف محل الاستدلال بذلك من الكتب ، ويكون مع ذلك محيطا بقواعد النحاة التي بنوا تصرفاتهم عليها غير القواعد المذكورة في واضحات الكتب ، فإن تلك كالأصول لهذه القواعد ، وهذا لا يعرفه الآن إلا متبحر في الفن » « 1 » . والحق أن صلة السيوطي باللغة ودراستها جد مبكرة فقد كانت أول إجازة علمية حصل عليها في حياته بتدريس العربية ، وقد تتلمذ كما رأينا على يد أشهر رجال عصره في النحو وهم الكافيجي والشمني وسيف الدين الحنفي ، وقد أتاحت له ظروفه أن يقف على كثير من الكتب التي لم تكن في متناول غيره من خزانة محمود التي كانت تحت نظره ، وقد وضح صلته بالدرس اللغوي قائلا : « ولم أزل من زمن الطلب أعتني بكتبها قديما وحديثا ، وأسعى في تحصيل ما درس منها سعيا حثيثا إلى أن وقفت منها على الجم الغفير ، وأحطت بغالب الموجود مطالعة وتأملا ، بحيث لم يفتني سوى النزر اليسير ، وألفت فيها الكتب المطولة والمختصرة وعلقت التعاليق ما بين أصول وتذكرة ، واعتنيت بأخبار أهلها وتراجمهم وإحياء ما دثر من معالمهم ، وما رووه وروّوه ، وما تفرد به الواحد منهم من المذاهب والأقوال ، ضعفه الناس أو قووه ، وما وقع لهم مع نظرائهم وفي مجالس خلفائهم وأمرائهم من مناظرات ومحاورات ومجالسات ومذاكرات ومدارسات ومسامرات وفتاوى ومراسلات ، ومعاياة ومحاجاة ، وقواعد ومناظيم ، وضوابط وتقاسيم ، وفوائد وفرائد ، وغرائب وشوارد ، حتى اجتمع عندي من ذلك جمل ودونتها رزما لا أبالغ وأقول وقر جمل » « 2 » . وقد حاول أن يسلك مسلك اللغويين القدماء في إملاء اللغة كما يملي الحديث في مجالس ، ولكنه لم يجد من يحمل ذلك عنه « 3 » . وتدل آثاره في الدراسات اللغوية على أنه لم يكن مبالغا في أقواله السابقة ، فكثرة ما جاء بها من أفكار وأخبار وترتيبها وتنسيقها يستلزم مجهودا ضخما وإحاطة واسعة ودراية بالغة بهذه الفنون .
--> ( 1 ) نفس المصدر ورقة 9 ، 10 ص 18 ، 19 . ( 2 ) مقدمة الأشباه والنظائر ص 3 . ( 3 ) المزهر ج 2 ص 314 .