طاهر سليمان حموده

153

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

الصوفية ، فهل كان لانخراطه أثر في منهجه في الرواية تشددا وتحرجا أو تسامحا وتساهلا ؟ ، للإجابة على ذلك لا بد أن نتناول تصوف السيوطي بشيء من الحديث نستجلي به أبعاده ونستوضح به غوامضه . السيوطي والتصوف : سبق أن أشرنا إلى أن التصوف في عصر السيوطي كان يتخذ شكل ظاهرة اجتماعية واضحة في البيئة المصرية ، وأن تياره كان من القوة بمكان ، وقد ساعد على ذلك عوامل متنوعة أهمها وجود المنشآت الصوفية التي سميت بالخوانق أو الزوايا والربط . نشأ في هذه البيئة ، وكان للتصوف أثر كبير في توجيه حياته ، فجده الأعلى همام الدين كان من مشايخ الطريق ، وكان لوالده ميل إلى التصوف ، والكمال بن الهمام أحد الأوصياء عليه كان من المتصوفة وقد ولى مشيخة الشيخونية . كما أن والد السيوطي قد حمله بعد مولده كما سبق أن رأينا إلى أحد كبار الأولياء ليباركه ويدعو له ، وإذا كانت بيئة السيوطي الخاصة التي تتمثل في أسرته والمحيطين به وبيئته العامة التي تتمثل في المجتمع ، كلتاهما يجد التصوف فيها منبتا حسنا ، فلا عجب أن نشأ السيوطي ميالا منذ صغره إلى سلوك طريق المتصوفة . ومنذ وقت مبكر نصب السيوطي نفسه للدفاع عن الصوفية ورجالها ، وقد رأينا اشتراكه في المعركة حول ابن الفارض وقيامه بنصرته ، وإفراده لذلك مؤلفا سماه « قمع المعارض في نصرة ابن الفارض » وقد دافع كذلك عن ابن عربي وأفرد للدفاع عنه مؤلفا سماه « تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي » . وله مؤلفات أخرى في التصوف تشهد بحبه العميق لطريق المتصوفة ودفاعه عنهم ، وقد ولي منذ وقت مبكر من حياته مشيخة التصوف بتربة برقوق ، وقد سبق أن رأينا اتجاهه العلمي في التصوف أواخر حياته ، إذ اعتزل الناس واعتكف في بيته وتجرد إلى اللّه ، وأكب على العبادة والتأليف . بيد أن الذي يهمنا الآن من هذا كله هو النظر في الآثار التي تركها في