طاهر سليمان حموده

150

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

اجتمعت فيّ الآن اسم الحافظ وهي الشهرة بالطلب والأخذ من أقوال الرجال والمعرفة بالجرح والتعديل ، والمعرفة بطبقات الرواة ومراتبهم وتمييز الصحيح من السقيم حتى يكون ما يستحضره من ذلك أكثر مما لا يستحضره مع استحضار الكثير من المتون ، فمن جمع هذه الشروط استحق اسم الحافظ ، وقد ذكر السيوطي أن ابن حجر كان يحفظ مائتي ألف حديث أو ما يزيد ، وأن الحافظ الديمي كان يحفظ عشرين ألف حديث وذكر عن نفسه أنه يحفظ مائتي ألف حديث ، وأنه لو وجد أكثر من ذلك لحفظ وقال : لعله لا يوجد على وجه الأرض الآن أكثر من ذلك « 1 » . وقائمة الآثار التي تركها وذكر الجانب الأكبر منها في ترجمته لنفسه تشهد للرجل بأن اهتمامه الأول كان بعلوم الحديث ، ولست أحب أن أسرد ما ألفه في الحديث تجنبا للتكرار حيث سنعرض لذلك عند الحديث عن آثاره « 2 » . على أن نظرتنا في الفتاوى الحديثية التي جمعت في كتابه « الحاوي » تطلعنا على قدراته الخارقة في علم الحديث وحفظه الجم ، ومعرفته التي لا تقتصر على نقل آراء الحفاظ السابقين وإنما تتناول الإسناد ورواته بالنقد ، وتبين رتب الأحاديث المختلفة وكونها صحيحة أو حسنة أو ضعيفة أو موضوعة ، وله قدرة عجيبة على إيراد الطرق المختلفة من شتى الكتب للحديث الواحد مما يدل على الجهد الشاق الذي بذله ، وطول المراس الذي أكسبه قدرة على السير في المسالك الوعرة لهذا العلم بمختلف فروعه . وكان له عين فاحصة ناقدة في علم الحديث ، وكثيرا ما حكم على كثير من الأحاديث التي شاعت على ألسنة الناس في عهده ببطلانها إذا لم يثبت لديه إسناد بصحتها كحديث « لا تسوّدوني في الصلاة » الذي قال إنه لم يرد « 3 » ، وحديث « التكبير جزم » الذي أفتى بأنه من قول إبراهيم النخعي وليس من قول

--> ( 1 ) الشعراني : ذيل الطبقات الكبرى ورقة 10 ص 19 ، 20 . ( 2 ) حسن المحاضرة ج 1 ص 191 ، 192 . ( 3 ) الحاوي للفتاوي ج 1 ص 533 .