طاهر سليمان حموده

134

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

الفصل الذي عقده عن الأئمة المجتهدين بمصر في كتابه حسن المحاضرة ، وقد صرح ببلوغه رتبة الاجتهاد في قوله بعد أن عدد أنواع العلوم التي تبحر فيها « وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد اللّه تعالى ، أقول ذلك تحدثا بنعمة اللّه تعالى لا فخرا » « 1 » ، وقد تعرض بسبب ذلك لهجوم أعدائه عليه فيذكر السخاوي أنه « قد قام عليه الناس كافة لما ادعى الاجتهاد » « 2 » ، وقد عبر السيوطي عما تعرض له من الهجوم في مقدمة إحدى رسائله بقوله بعد أن ذكر اشتغاله بالعلم وحبه للبحث عن الدقائق والأصول : « وقد أوذيت على ذلك أذى كثيرا من الجاهلين والقاصرين وتلك سنة اللّه في العلماء السالفين فلم يزالوا مبتلين بإسقاط الخلق وأرذالهم وبمن هو من طائفتهم ممن لم يرتق إلى محلهم » « 3 » ، ثم يذكر بعض من تعرض للأذى من علماء السلف كابن عباس وما تعرض له من نافع بن الأزرق وسعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه وما تعرض له من أهل الكوفة ، وما قاساه الشافعي من أهل مصر وما قاساه الغزالي وغيرهم ، وينبه السيوطي بعد ذلك إلى حقيقة هامة في أمثال هذه الخصومات ومن يكون فيها على الحق بقوله : « وقد اجتمعوا كلهم عند اللّه ، وظهر لهم المحق من المبطل ، والأرفع رتبة عند اللّه من غيره ، وظهر لنا مصداق ذلك في هذه الدار ببقاء كلام هؤلاء الأئمة وانتشاره وظهوره واضمحلال من ردّ عليهم وطمس ذلك ودثوره » « 4 » . وبهذا الرد البليغ يرد على أعدائه معلنا لهم أن الحق هو الذي سيبقى وأن قائله هو الذي ستذكره الأجيال والناس فيما بعد ، وأن له أسوة بعلماء السلف الصالح الذين لم تتضح عظمتهم وأقدارهم في أزمانهم بقدر ما اتضحت لمن بعدهم ، وهذه العبارة التي أطلقها السيوطي تأخذ الانسان بالدهشة والتأمل لما فيها من صدق الرجل مع نفسه وإحساسه بعظمته وإن لم يقدره أهل عصره . وقد كتب السيوطي في بلوغه الاجتهاد مؤلفا سماه « الرد على من أخلد إلى

--> ( 1 ) السيوطي : حسن المحاضرة ج 1 ص 190 . ( 2 ) الضوء اللامع ج 4 ص 69 . ( 3 ) تعريف الفئة بأجوبة الأسئلة المائة ، رسالة بكتاب الحاوي ج 2 ص 509 . ( 4 ) الرسالة السابقة النص ص 509 ، 510 .