طاهر سليمان حموده

112

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

أوقافها ، وقد رأى السيوطي ما آل إليه أمر التصوف في عهده من كثرة الأدعياء الذين استمرءوا العيش داخل الخوانق دون عمل ، ولم يقوموا بواجباتهم في العبادة والتخلق بأخلاق التصوف الحقيقة ، لذلك فقد وجه إليهم السيوطي نصحه بأن « الصوفي من تخلق بأخلاق الأولياء . . . ومن يأكل المعلوم بغير تخلق بأخلاقهم حرام » « 1 » . وقد عمد السيوطي إلى قطع جعلية هؤلاء الصوفية ، ولكنهم ثاروا عليه ، وكادوا يقتلونه ثم حملوه بأثوابه ورموه في الفسقية « 2 » ، وكانت هذه الحادثة في جمادى الآخرة عام 903 ه ، ولم يكتف الصوفية بإهانتهم للشيخ بل إنهم شكوه إلى السلطان وسعوا لديه في سبيل قتله ، وقد شجعهم وأعانهم على ذلك الأمير طومان باي الذي كان يلي « الدوادارية الكبرى » ويعد صاحب المنصب الثاني في الدولة بعد السلطان ، وكان بين السيوطي وبين طومان باي عداوة ، وقد مر السيوطي ببعض المحن خلال هذه الأزمة ، وقد سعى طومان باي جاهدا في سبيل قتله كما لم يكف أعداؤه عن تأليب ذوي الشأن من العلماء والأمراء عليه ، ويبدو أن السيوطي أبدى من الشجاعة ورباطة الجأش خلال أزمته ما جعل تلميذه الشعراني يذكر أنه « لم يتغير منه شعرة واحدة » « 3 » ، ويدافع الشعراني عن السيوطي ويهاجم الذين ثاروا عليه كثيرا حتى يقول : « إن جميع من قام على الشيخ حصل له مقت بين العباد ومات على أسوأ حال » « 4 » . ويستدل بعض الباحثين بهذه الحادثة على فساد التصوف ، وانتشار الجهل بين الصوفية الذين ارتفع قدرهم بين العامة على قدر العلماء ، كما يرى أن السيوطي كان على حق في سلوكه مع هؤلاء الصوفية « 5 » . ولم ينل أعداء السيوطي الذين انتهزوا هذه الأزمة للايقاع به ما يبتغون ،

--> ( 1 ) الشعراني : ذيل الطبقات الكبرى ورقة 21 . ( 2 ) ابن إياس : ج 2 ص 339 . ( 3 ) ذيل الطبقات الكبرى ورقة 21 ص 42 . ( 4 ) الشعراني : ذيل الطبقات الكبرى ورقة 21 ص 42 . ( 5 ) عبد المتعال الصعيدي : المجددون في الاسلام ص 342 - 326 .