طاهر سليمان حموده

109

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

وقول القائل : دهر علا قدر الوضيع به * وغدا الشريف يحطّه شرفه كالبحر يرسب فيه لؤلؤه * سفلا ويطفو فوقه جيفه وقول القائل : وعاش بدعوى العلم قوم وما لهم * من العلم حظ لا بعقل ولا نقل فوا عجبا للعلم يحرم رزقه * عليم وللأغمار ترزق بالجهل « 1 » ويبدو أن حالة السيوطي النفسية وما عاناه من آلام تسبب في إذكاء نيرانها خصومة ، وما آل إليه أمره بعد ترك وظائفه السابقة التي كانت تأتيه بنصيب لا بأس به من أوقافها ، هذه الحالة قد دفعته لأن ينفث في رسالته تعبيرا عما يحس به داخل نفسه ، وتخفيفا لآلامه . فهي تصور حالة نفسية في وقت من أوقات الشدة التي مر بها ولجأ إلى قلمه عساه يجد فيه صديقا يشكو إليه ألمه بعد أن اعتزل جميع الأصدقاء . ولا تخلو هذه الرسالة من مبالغات في وصف الفساد واتهام الخصوم ، ويبدو أن الخليفة عبد العزيز المتوكل على اللّه الذي كان صديقا للسيوطي ومخالطا له في أكثر الأحيان قد آلمه ما آل إليه أمر صديقه ، وكان يعرف عنه اعتداده بنفسه ، فسعى له في تولي مشيخة البيبرسية . والواقع أن مشيخة البيبرسية - في ذلك الحين - كانت أكبر الوظائف التي يتولاها القائمون بالتدريس لأنها كانت أعظم الخوانق المصرية وأوسعها أوقافا ، وأكثرها صوفية ، ولا نستطيع أن ننكر أن السيوطي قد قرت عينه بهذا المنصب الجديد ، وربما يكون قد سعى في سبيل الوصول إليه ، ولعله كان يرى نفسه أكفأ وأصلح من غيره لأن يوضع في هذا المكان ، وأيا ما كان الأمر فإن ذلك لا ينفي عنه نزعة التصوف الحقيقي التي كانت تخالط وجدانه والتي تمثلت في ميله إلى العزلة .

--> ( 1 ) المقامة اللؤلؤية ص 7 .