أبو عمرو الداني

5

جامع البيان في القراءات السبع

وعلم القراءات بعد ذلك من العلوم التي يحتاج المفسر إلى إتقانها والأخذ بحظ وافر منها قبل أن يقدم على تفسير كتاب الله تعالى ، حيث إنه يتعرّف بالقراءات على ( اختلاف الألفاظ بزيادة أو نقص ، أو تغير حركة ، أو إتيان لفظ بدل لفظ ، وذلك بتواتر وآحاد ) « 1 » . كما أنه بالقراءات يترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض « 2 » . وأخيرا فبين علم القراءات واللغة العربية صلة وثقى ، ووشيجة كبرى ، حيث ( تعتبر روايات القراءات القرآنية ، مشهورها وشاذها هي أوثق الشواهد على ما كانت عليه ظواهرها الصوتية والصرفية ، والنحوية واللغوية بعامة في مختلف الألسنة واللهجات ، وإن من الممكن القول : بأن القراءات الشاذة هي أغنى مأثورات التراث ، بالمادة اللغوية التي تصلح أساسا للدراسات الحديثة التي يلمح فيها المرء صورة تاريخ هذه اللغة الخالدة ) « 3 » . وقد قدّمت القراءات للغة العربية خدمة كبرى حيث " إن البحث في مخارج الحروف والاهتمام بضبطها على وجوهها الصحيحة ، كان من أبلغ العوامل في عناية الأمة بدقائق اللغة العربية الفصحى وأسرارها ، وكانت ثمرة هذا الاهتمام والجهد أن القراء تشرّبوا مزايا اللغة العربية وقواعدها ودقائقها ، ومما يؤيد ذلك أن الكثيرين من قدماء النحويين كالفراء كانوا مبرّزين في علم القراءات ، كما كان الكثيرون من أئمة القراء كأبي عمرو والكسائي بارعين في علم النحو " « 4 » . وختاما فبسبب من شرف هذا العلم وفضله وأهميته وخطورته وعزوف الباحثين عنه في هذا الزمان ، بادرنا إلى تحقيق هذا الكتاب النفيس ، لما له من قيمة علمية كبيرة ، ولما لمؤلفه من مكانة علمية بين جهابذة هذا الفن ، وهو أمر سنبينه فيما بعد إن شاء الله . اللهم اجعل عملنا هذا خالصا لوجهك ، واجعلنا من أهلك وخاصتك ، إنّك أكرم مسؤول ، وأفضل مأمول ، وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

--> ( 1 ) البحر المحيط لأبي حيان 1 / 7 . ( 2 ) الإتقان للسيوطي 2 / 181 . ( 3 ) القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث ، لعبد الصبور شاهين 7 ، بتصرف يسير . ( 4 ) مقدمة أوتبرتزل لكتاب التيسير في القراءات السبع ص / ج ، بتصرف يسير .