أبو عمرو الداني

105

جامع البيان في القراءات السبع

[ معنى الأحرف السبعة ] 47 - فأمّا معنى الأحرف التي أرادها النبي صلى اللّه عليه وسلم هاهنا فإنه يتوجّه إلى وجهين ؛ أحدهما : أن يكون يعني بذكر أن القرآن أنزل على سبعة [ أحرف سبعة ] « 1 » أوجه من اللغات ، لأن الأحرف جمع حرف في الجمع القليل مثل : فلس وأفلس ورأس وأرؤس « 2 » ، والحرف قد يراد به الوجه بدليل قوله تعالى : ومن النّاس من يعبد اللّه على حرف فإن أصابه خير اطمأنّ به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه [ الحج : 11 ] الآية . فالمراد بالحرف هاهنا الوجه « 3 » الذي تقع عليه العبادة . 48 - يقول جلّ ثناؤه : ومن النّاس من يعبد اللّه [ الحج : 11 ] على النعمة تصيبه ، والخير يناله من تثمير المال ، وعافية البدن ، وإعطاء السؤال ويطمئن إلى ذلك ما دامت له هذه الأمور ، واستقامت له هذه الأحوال ، فإن تغيّرت حاله وامتحنه الله تعالى بالشدّة في عيشه ، والضّرّ في بدنه ، والفقر في ماله ترك عبادة ربّه وكفر به . فهذا عبد الله سبحانه وتعالى على وجه واحد ومذهب واحد ، وذلك معنى الحرف . 49 - ولو عبده تبارك وتعالى على الشكر للنعمة ، والصبر عند المصيبة ، والرضى بالقضاء عند السّرّاء والضّرّاء ، والشدة والرخاء ، والفقر والغنى ، والعافية والبلاء ؛ إذ كان سبحانه أهلا أن يتعبّد على كل حال لم يكن عبده تعالى على حرف . 50 - فلهذا سمّى النبي صلى اللّه عليه وسلم هذه الأوجه المختلفة من القراءات والمتغايرة من اللغات أحرفا على معنى أن كل شيء منها وجه على حدته غير الوجه الآخر ، كنحو قوله : ومن النّاس من يعبد اللّه على حرف [ الحج : 11 ] أي : على وجه إن تغيّر عليه تغيّر عن عبادته وطاعته على ما بيّنّاه . 51 - والوجه الثاني من معنى الأحرف : أن يكون صلى اللّه عليه وسلم سمّى القراءات أحرفا على طريق السعة « 4 » ، كنحو ما جرت عليه عادة العرب في تسميتهم الشيء باسم ما منه وما قاربه وجاوره ، وكان كسبب منه وتعلق به ضربا من التعلّق وتسميتهم الجملة باسم

--> ( 1 ) زيادة يقتضيها السياق . ( 2 ) سقطت ( وأرؤس ) من م . ( 3 ) تفسير القرطبي 12 / 17 . ( 4 ) في ( ت ، م ) : السبعة . وهو تحريف لا يستقيم به السياق .