محمد بن عبد الله بن علي الخضيري
870
تفسير التابعين
وهذا كله منهم مراعاة للعرف في وقتهم ، مما دلّ على اعتمادهم عليه حجة في مثل هذا ، واللّه أعلم . 11 - الاستنباط من اللغة وعادات العرب وأسباب النزول : لم يغفل التابعون اللغة عند استنباطهم الأحكام الشرعية من القرآن ، وهذا أمر بدهي ، لأن القرآن نزل بلغة العرب ، فمن لم يعرفها فكيف يمكن أن يفهم المراد من الأوامر والنواهي « 1 » ؟ إلا أنني رأيت أنهم لم يغفلوا - أيضا - أسباب النزول ، وعادات العرب في الجاهلية ، فوضعوها نصب أعينهم حتى يتعرفوا على الأحكام من خلالها « 2 » . فمن ذلك ما جاء في آيات الحج في سورة البقرة قال تعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ « 3 » ، وأنه لما كان اللّه تعالى قد منع الجدال في الحج ، وكانت المعاملات التجارية تفضي إلى الجدال والمخاصمة ، كانت التجارة مظنة المنع ، وأيضا لما حظر لبس المخيط والإنسان قد يكون شديد الحاجة ، وكانت التجارة مظنة الحظر ، فمن أجل ذلك قال اللّه تعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ « 4 » فإذا قيل : فإن الفعل المذكور في الآية نكرة يمكن أن يحمل على الفعل الشرعي ، كالاستزادة من الصلاة ، أو الصيام ، وقراءة القرآن في الحج ، فما الذي يجعلنا نقصره على التجارة ونحوها علما أن هذا خروج بالعموم من عمومه ؟ « 5 » .
--> ( 1 ) ومن ذلك ما مرّ من اختلافهم في معنى القرء في قوله تعالى : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ . ( 2 ) مرّ بيان ذلك ص ( 773 ) . ( 3 ) سورة البقرة : آية ( 198 ) . ( 4 ) تفسير آيات الأحكام لمحمد علي السائس ( 1 / 108 ) . ( 5 ) سبق أن الراجح عند الأصوليين أن النكرة في سياق النفي تعم .