محمد بن عبد الله بن علي الخضيري

755

تفسير التابعين

ويتضح هذا بالمقارنة بين مجاهد ، وقتادة مثلا . بل ربما أدى تشدد التابعين في الالتزام برسم المصحف إلى أن يردوا ما لم يوافق الرسم العثماني . روى البخاري في صحيحه عن علقمة قال : « دخلت في نفر من أصحاب عبد اللّه الشام فسمع بنا أبو الدرداء ، وأتانا فقال : أفيكم من يقرأ ؟ فقلنا : نعم ، قال : فأيكم أقرأ ؟ فأشاروا إليّ فقال : اقرأ : فقرأت : ( والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى ) « 1 » ، قال : أنت سمعتها من فيّ صاحبك ، قلت : نعم ، قال : وأنا سمعتها من فيّ النبي صلى اللّه عليه وسلم وهؤلاء يأبون علينا » « 2 » ، فإذا قيل : هل لنا وقد صح عندنا الخبر أن نقرأ ( والذكر والأنثى ) ؟ ! ، فالجواب : أنه ليس لنا ذلك ؛ لأن القرآن يتلقى من الأفواه ، بإشارة الحديث السابق ( من فيّ صاحبك ) ( من فيّ النبي ) ، فعلقمة تلقاها هكذا من فيّ ابن مسعود فله أن يقرأ بها ، وأبو الدرداء تلقاها هكذا من فيّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فله أن يقرأ بها . وأما الآن فلا يوجد من عنده الإسناد المتصل بأخذ الثقة عن فيّ الثقة إلا بما هو موافق للمصحف بالقراءات الواردة على الرسم العثماني المتعددة ، فيقتصر في الأداء عليها دون غيرها ، ولقد كانت الأوجه كثيرة فيما مضى ، لكن اختارت الأمة بعضها فوصل إلينا بالنقل بالشرط المذكور سابقا ، فليس لنا أن نقرأ بخلافه ، قال الكواشي : كل ما صح سنده ، واستقام وجهه في العربية ، ووافق لفظه خط المصحف الإمام ، فهو من السبعة المنصوصة ، فعلى هذا الأصل وبني قبول القراءات عن سبعة كانوا أو سبعة آلاف ، ومتى فقد شرط من الثلاثة فهو الشاذ « 3 » .

--> ( 1 ) سورة الليل : الآيات ( 1 - 3 ) ، وقراءة في مصحفنا وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى . ( 2 ) صحيح البخاري ، كتاب التفسير ، باب ( وما خلق الذكر والأنثى ) ، ينظر الفتح ( 8 / 707 ) 4944 ، وتفسير الطبري ( 30 / 217 ) ، والسير ( 4 / 56 ) ، ومختصر في شواذ القرآن ( 174 ) ، وكتاب إعراب ثلاثين سورة من القرآن ( 107 ) . ( 3 ) فتح الباري ( 9 / 32 ) .