محمد بن عبد الله بن علي الخضيري
710
تفسير التابعين
وقال - أيضا - بعد أن ذكر الآثار عن السلف في تعظيم التجرؤ على التفسير : فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها من أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به ، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه ، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير ، ولا منافاة ؛ لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه ، وهذا هو الواجب على كل أحد ، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به ، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه ، لقوله تعالى : لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ « 1 » . ويؤكد هذا أيضا ما ورد عن ابن عباس أنه قال : « التفسير على أربعة أوجه : وجه تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا اللّه تعالى ذكره » « 2 » . فهذا يدل على تفاوت مراتب التفسير ، وأن العلماء يعرفون من التفسير ما لا يعرفه غيرهم ، ولو لم يكن الاجتهاد والأثر ، لم يكن فرق بينهم ، وبين غيرهم ، واللّه أعلم . مواطن الاجتهاد في تفسير التابعين : ومع كثرة المنقول عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وعن صحابته في التفسير ، إلا أن هذه الروايات الكثيرة لم تستوعب بيان كل آي القرآن ، ولم تحط بها ، ولا غرو فإن القرآن الكريم معين لا ينضب ، وما زال القرآن غضا طريا حتى يومنا هذا ، لا تشبع منه العلماء ، ولا يخلق مع كثرة الترديد . ولذا فقد ظهرت اجتهادات التابعين في التفسير ، حتى إبان عهد الصحابة ، وشملت اجتهاداتهم مواطن كثيرة ، غالبها مما سكت عنه الصحابة - ومن أهمها :
--> ( 1 ) مجموع الفتاوى ( 3 / 374 ) . ( 2 ) تفسير الطبري ( 1 / 75 ) 71 .