محمد بن عبد الله بن علي الخضيري
563
تفسير التابعين
ولا غرو حينئذ أن نجد الحسن البصري قد نشأ ، وعاصر أحداث الفتن والثورات منذ مقتل عثمان ، ثم لم تتلطخ يده ولا لسانه بشيء من ذلك ، بل كان ينهى عن الدخول في الفتن ، مما جعل أمر الناس مستقرا ، فانصرفوا للعلوم . ومن هنا نجد أن هذه الحقيقة قد ساعدت في تقدم البصريين في علوم شتى ، ومنها اللغة ، والتفسير « 1 » . وبهذه الأسباب وغيرها ، ظهرت البصرة منارة في أفق علوم اللغة تشع على سائر الأقطار نور العلم والهداية ، وقد قامت البصرة بعبء هذا العلم من نشأته حتى استوى على سوقه ، ومرّ زمن طويل قبل أن تشارك الكوفة فيه ، وهي إنما أخذته من البصرة « 2 » . ومهما يكن من شيء فقد سبق العراق سائر أقطار الإسلام ، وسبقت البصرة خاصة سائر أمصار العراق في وضع النحو ، وذهبت بفخر ذلك ، وكان لها السبق والتقدم ، وكان لعلمائها الفضل في ابتداء النحو وتبويبه ، ووضع قواعده ، وتفريع فروعه . ولا يخفى أن أول من وضع العربية من العلماء هو أبو الأسود الدؤلي البصري ، الذي صار علما على العربية ، وما زال الناس يلهجون بالثناء عليه ، ومن ثم نبغ في البصرة بعده كثير من علماء اللغة ، فبرز من الموالي بها : عبد اللّه بن أبي إسحاق الحضرمي الذي قيل فيه : إنه أول من علم النحو ومد القياس . وتتلمذ عليه عيسى بن عمرو الثقفي شيخ الخليل بن أحمد الفراهيدي مؤسس علم العروض ، ثم أخذ عن الخليل سيبويه ، وعنه روى جل ما أودعه في الكتاب « 3 » .
--> ( 1 ) سبق تفصيل ذلك في مبحث المدرسة البصرية ، في أسباب كثرة المروي عنها ص ( 451 ) . ( 2 ) فهرست ابن النديم ص ( 96 ) . ( 3 ) ينظر مقالة بيئة البصرة ، في مجلة الأزهر ص ( 83 ) .