محمد بن عبد الله بن علي الخضيري

561

تفسير التابعين

لسانها « 1 » . وكان من المتوقع - والحالة هذه - أن يتقدم الكوفيون على البصريين في اللغة ، إلا أن العكس هو الذي حدث ؛ لأن أهل البصرة لما شعروا بخطورة هذا الاختلاط على اللغة ، بادروا فقعدوا القواعد التي من شأنها حفظ اللسان والتزموا بها في غالب مناحي الفكر ، وعامة نتاج العقل ، حفظا للسانهم من الدخيل الوارد ؛ ولأجل هذا نجد أن هذه الخصيصة اللغوية تعدت إلى غير التفسير من العلوم الأخرى . ب - لقد عاش في البصرة الكثير من الموالي الذين دخلوا في الإسلام طواعية ، وأحبوا لغة القرآن وتأدبوا بها ، ورأوا تقدمها على لغاتهم الأصلية ، وألسنتهم الأولى ، فانكبوا على دراستها والاعتناء بها ، بل وتقيدوا بها في أمورهم العامة والخاصة ، لما شعروا بحاجتهم إليها واعتماد فهم الدين ، واستنباط الأحكام على هذه اللغة العظيمة . وظهر ذلك في نبوغ الكثير من الموالي في مجال اللغة والأدب ، فإذا ذكر النحو مثلا انصرفت الأذهان إلى سيبويه ، وإذا ذكر الوعظ والعبارات الوعظية المؤثرة ، أسرع إلى المخيلة اسم الحسن البصري ، وهكذا يحاول الإنسان دائما أن يعوض ما فقده مما يحبه ، ويقدمه على غيره ، فلما أحب الموالي الإسلام ولغة القرآن اشتغلوا بها ، كما أنه لما أحب العرب الجهاد تفانوا فيه ، وقد ترتب على هذه المحبة أن تشدد البصريون في شأن القياس اللغوي ، فصاروا لا يقيسون إلا على ما كثر ، ولا يقيسون على الشاهد الواحد ، ولا النادر ، في حين لم يتشدد الكوفيون - وهم عرب أقحاح - مثل هذا التشدد ، فيقيسون على ما ورد ، ولو نادرا ، ويقيسون على الشاهد الواحد ، ولو لم يأت في الباب غيره « 2 » . ج - لقد ساعد موقع البصرة الجغرافي من اتصال البصريين بأهل اللسان ، والنهل

--> ( 1 ) كتاب الشافعي لأبي زهرة ص ( 57 ) . ( 2 ) ينظر مقالة بيئة البصرة من مجلة الأزهر العدد ( 1 / محرم سنة 1366 ه ) ص ( 86 ) .