محمد بن عبد الله بن علي الخضيري

554

تفسير التابعين

4 - اتساع دائرة التفسير : لقد كان التفسير مقتصرا على المنقول وما يضم إليه من علم بالعربية والآثار والسير ، ولم يكن ثمة من يجرؤ على مخالفة هذا المنهج للآثار المحذرة من القول في القرآن بلا علم ، فلما قام الحبر الأعظم ابن عباس بتدريس القرآن منهج علم ، وهداية ، وظهر الأثر الحميد لذلك في الناس ، اتجهت الأنظار حينئذ إلى لون جديد من ألوان التفسير ، وهو التفسير المبني على الاستنباط ، والاجتهاد ، ولا سيما وقد اتسعت معارف العرب ، وخالطوا أهل الكتاب ، وتنوعت ثقافاتهم ، فبدأ المفسرون يعملون فكرهم في الآيات ، ولقد كانت المدرسة المكية - كما سبق قريبا - رائدة ذلك الأمر للأسباب التي أسلفتها ، إلا أن بعضهم دفعه هذا المنهج إلى مخالفة ظاهر القرآن القريب لما يعرض له من الحجة ، والاجتهاد . وليس مخالفة ظاهر القرآن القريب مقتصرا على المدرسة المكية ، فإن هذا قد وجد أيضا في المدرسة البصرية ، فقد خالف الحسن ظواهر بعض الآيات ، لكن الباعث ليس واحدا ، فمخالفة أهل البصرة كان سببها غلبة الجانب الوعظي عليهم كما سيأتي بيانه « 1 » ، أما مخالفة المكيين ، فكانت بسبب الاجتهاد ، والاستنباط ، وقد سبقت بعض الأمثلة لذلك « 2 » . وبذلك خرج علم التفسير من دائرة ما يسمى التفسير الأثري إلى دائرة أخرى امتزج فيها النقل بالنظر ، وعدها بعض المصنفين بداية التفسير العقلي « 3 » ، وهذا المصطلح وإن كان قد حدث له بعد ذلك ما يعيبه ويشينه ، إلا أن المقصود به آنذاك هو الخروج عن مقتضى التفسير القائم في ذاك العصر ، ولا معارض لذلك فيما أعلم .

--> ( 1 ) سيأتي ذلك ص ( 574 ) . ( 2 ) عند الحديث عن ترجمة مجاهد ص ( 93 ) ، وعكرمة ص ( 159 ) . ( 3 ) انظر دراسات في التفسير ص ( 117 ) ، وكتاب القرآن العظيم هدايته وإعجازه ص ( 197 ) .