محمد بن عبد الله بن علي الخضيري
376
تفسير التابعين
رضي اللّه عن الجميع - فقد لمس عمر - رضي اللّه عنه - فيه مخايل النجابة ، والذكاء ، والفطنة ، فكان يدنيه من مجلسه ، ويقربه إليه ، ويشاوره ، ويأخذ برأيه فيما أشكل من الآيات ، وابن عباس ما زال شابا غلاما ، فكان لذلك الأثر البالغ في دفعه وحثه على التحصيل والتقدم ، بل والإكثار في باب التفسير وغيره من أبواب العلم . فعن عامر الشعبي عن ابن عباس قال : قال لي أبي : يا بني ، أرى أمير المؤمنين يقربك ، ويخلو بك ، ويستشيرك مع ناس من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فاحفظ عني ثلاثا : اتق اللّه لا تفشين له سرا ، ولا يجربن عليك كذبة ، ولا تغتابن عنده أحدا « 1 » . وكان عمر - رضي اللّه عنه - يدخله مع أكابر الصحابة ، وما ذلك إلا لأنه وجد فيه قوة الفهم ، وجودة الفكر ، ودقة الاستنباط . قال : كان عمر يسألني مع أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، فكان يقول لي : لا تكلم حتى يتكلموا ، فإذا تكلمت قال : غلبتموني أن تأتوا بما جاء به هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه « 2 » ؟ . وعن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ، فقال بعضهم « 3 » : لم يدخل هذا الفتى معنا ، ولنا أبناء مثله ؟ فقال : إنه من قد علمتم ، فدعاهم ذات يوم ، ودعاني معهم ، قال : وما أريته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني « 4 » ،
--> ( 1 ) الحلية ( 1 / 318 ) ، والمعرفة ( 1 / 533 ) ، والمعجم الكبير ( 10 / 322 ) 10619 ، والمنتقى من كتاب مكارم الأخلاق ( 148 ) 325 . ( 2 ) فضائل الصحابة لأحمد ( 2 / 970 ) 1904 ، المعرفة ( 1 / 519 ) ، والمستدرك ( 3 / 539 ) ، وصحح إسناده الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وكتاب الفقيه والمتفقه ( 2 / 133 ) . ( لم تجتمع شؤون رأسه ) : قال الحربي : الشؤون واحد شأن مجتمع قبائل الرأس ، فكأن عمر قال إنه صغير لم يتلاقيا ، غريب الحديث ( 2 / 876 ) ، وتهذيب اللغة ( 11 / 416 ) . ( 3 ) القائل هو : عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه كما صرح به البخاري في صحيحه ، كتاب المغازي ، باب مرض النبي صلى اللّه عليه وسلّم ووفاته ، ينظر الفتح ( 8 / 130 ) 4430 . ( 4 ) قال ابن حجر : وعند ابن سعد ( أما إني سأريكم اليوم منه ما تعرفون به فضله ) الفتح ( 8 / 736 ) .