محمد بن عبد الله بن علي الخضيري
371
تفسير التابعين
[ المبحث الأول ] المدرسة المكية احتلت هذه المدرسة المكانة في قلوب المؤمنين ، الساكنين ، والثائبين إلى بلد اللّه الحرام ، الحجاج ، والعمار ، والزوار ، بل أخذت مكة بألباب كل مؤمن رآها ، أو تمنى أن يراها . ولقد كان العلم بمكة يسيرا زمن الصحابة ، ثم كثر في أواخر عصرهم وكذلك في أيام التابعين ، وزمن أصحابهم ، كابن أبي نجيح ، وابن جريج « 1 » . إلا أن مكة اختصت زمن التابعين بحبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - الذي صرف جل همه ، وغاية وسعه إلى علم التفسير ، وربى أصحابه على ذلك ، فنبغ منهم أئمة كان لهم قصب السبق بين تلاميذ المدارس في علم التفسير . وقد تأثر بالمدرسة - أيضا - رجال وأئمة لم يكونوا بمكة ، لكن كانوا كثيري الترداد والمثابة لها : كأبي العالية ، وطاوس بن كيسان ، وغيرهم ، فنشاط المدرسة المكية كان أوسع من أن يقتصر على بقعة واحدة . وبعد أن رحل ابن عباس عن مكة ، لم يختف نوره فيها ، وإنما قلّ نتاج تلاميذه ، وزادت هيبتهم من التفسير ورحل بعضهم للآفاق ، حتى جاء عصر أتباع التابعين ، فدفعوا العجلة ، وأكثروا من الرواية عن شيوخهم وظل العطاء يتواصل - حتى الطبقة التي تليهم ، وفيما يلي بيان لأهم الأسباب التي أدت إلى تفوق المدرسة ، أهم هذه الأسباب والأساس فيها إمامة ابن عباس - رضي اللّه عنهما - وأستاذيته لها ، ولذا فسوف أعرض لترجمته بشيء من التفصيل ، ثم أبين بعض معالم منهجه التي كان لها الأثر في نفوس أصحابه وتلاميذه ، فأقول وباللّه التوفيق :
--> ( 1 ) الإعلان والتوبيخ لمن ذم التاريخ ( 292 ) .