محمد بن عبد الله بن علي الخضيري

312

تفسير التابعين

كيف أعلم أنك قد غفرت لي ، وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء ، إذا جاءك أهريا يوم القيامة آخذا رأسه بيمينه ، أو بشماله ، تشخب أوداجه دما قبل عرشك يقول : يا رب ، سل هذا فيم قتلني ؟ قال : فأوحى إليه : إذا كان ذلك دعوت أهريا فأستوهبك منه ، فيهبك لي ، فأثيبه بذلك الجنة ، قال : رب الآن علمت أنك قد غفرت لي ، قال : فما استطاع أن يملأ عينيه من السماء حياء من ربه ، حتى قبض صلى اللّه عليه وسلّم « 1 » . والسدي قد سلك طريقة مغايرة لطريقة غيره من مشاهير مفسري التابعين ، فكان كثيرا ما يورد الآيات القرآنية في ثنايا حديثه وروايته ، وكأنه بذلك يرد على المنكرين لصنيعه في إكثاره ، وكأنه يشعر بشيء من عدم الرضى من معاصريه ، فكان يذكر الآيات القرآنية في تضاعيف تلك الروايات لدعم موقفه ، والرد على مخالفيه ، والاحتجاج بتلك الإطالة والتفصيل ، ومن أمثلة ذلك ما جاء عنه عند تأويل قوله جل ثناؤه : وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى « 2 » . قال السدي : لما تاب اللّه على قوم موسى ، وأحيا السبعين الذين اختارهم موسى بعد ما أماتهم ، أمرهم اللّه بالسير إلى أريحا ، فساروا ، حتى إذا كانوا قريبا منهم ، بعث موسى اثني عشر نقيبا ، فكان من أمرهم ، وأمر الجبارين ، وأمر قوم موسى ، ما قد قص اللّه في كتابه ، فقال قوم موسى لموسى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ « 3 » ، فغضب موسى ، فدعا عليهم فقال : رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ « 4 » ، فكانت عجلة من موسى عجلها ، فقال اللّه تعالى : فَإِنَّها

--> ( 1 ) تفسير الطبري ( 23 / 147 ) . ولمزيد من الأمثلة تراجع الآثار التالية في تفسير الطبري ( 1686 ، 15525 ، 19013 ، ( 23 / 158 ) ، وغيرها . ( 2 ) سورة البقرة : آية ( 57 ) . ( 3 ) سورة المائدة : آية ( 24 ) . ( 4 ) سورة المائدة : آية ( 25 ) .