محمد حسين علي الصغير

91

تاريخ القرآن

بحسم الفتنة وقطع الخلاف . ولو قد كانت الحضارة تقدمت بالمسلمين شيئا لكان من الممكن أن يحتفظ عثمان بهذه الصحف التي حرقها على أنها نصوص محفوظة لا تتاح للعامة ، بل لا تكاد تتاح للخاصة ، وإنما هي صحف تحفظ ضنا بها على الضياع . ولكن المسلمين لم يكونوا قد بلغوا في ذلك العصر من الحضارة ما يتيح لهم تنظيم المكتبات وحفظ المحفوظات ، وإذا لم يكن على عثمان جناح فيما فعل لا من جهة الدين ولا من جهة السياسة ، فقد يكون لنا أن نأسى لتحريق تلك الصحف ؛ لأنه إن لم يكن قد أضاع على المسلمين شيئا من دينهم ، فقد أضاع على العلماء والباحثين كثيرا من العلم بلغات العرب ولهجاتها ، على أن الأمر أعظم خطرا وأرفع شأنا من علم العلماء ، وبحث الباحثين عن اللغات واللهجات » « 1 » . ومهما يكن من رأي حول هذا الموضوع ، فإن من المقطوع به أن المصحف العثماني هو النص القرآني الوحيد الذي عليه عمل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، وهو الكتاب المقدس الوحيد الذي أحيط بعناية ورعاية خاصة ، حتى نقل بالتواتر القطعي جيلا بعد جيل . ويبدو أن بعض نسخ المصحف العثماني ، قد كانت معروفة في القرن الثامن الهجري ، فالحافظ ابن كثير ( ت : 774 ه ) يقول : « أما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر اللّه ، وقد كان قديما بمدينة طبرية ثم نقل منها إلى دمشق في حدود 518 ه ، وقد رأيته كتابا عزيزا جليلا عظيما ضخما بخط حسن مبين قوي ، بحبر محكم ، في رق أظنه من جلود الإبل » « 2 » . قال أبو عبد اللّه الزنجاني : « ومصحف الشام رآه ابن فضل اللّه العمري في أواسط القرن الثامن الهجري فهو يقول في وصف مسجد دمشق : ( وإلى جانبه الأيسر المصحف العثماني ) ويظن قويا أن هذا

--> ( 1 ) طه حسين ، الفتنة الكبرى : 1 / 183 وما بعدها . ( 2 ) ابن كثير ، فضائل القرآن : 49 ، طبعة المنار ، القاهرة 1348 ه .