محمد حسين علي الصغير
88
تاريخ القرآن
وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يلقن أصحابه ويعلمهم ما ينزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل عليه السلام إياه على ذلك ، وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقيب آية كذا في السورة التي يذكر فيها كذا ، وروي معنى هذا عن عثمان بالذات « 1 » . قال الحارث بن أسد المحاسبي ( ت : 243 ه ) : « والمشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان رضي اللّه عنه ، وليس كذلك ، إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات والقرآن . وأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن » « 2 » . وفي عقيدتي أن أهم الأعمال التي قام بها عثمان هو جمع الناس على حرف واحد ، فقد قطع به دابر الفتنة والخلاف ، وفيه جرأة كبيرة تحدي بها كثيرا من الصعوبات . يقول الدكتور طه حسين : « وليس من شك في أن ما أقدم عليه عثمان من توحيد المصحف وحسم هذا الاختلاف ، وحمل المسلمين على حرف واحد ، أو لغة واحدة يقرءون بها القرآن ، عمل فيه كثير من الجراءة ، ولكن فيه من النصح للمسلمين أكثر مما فيه من الجراءة . فلو قد ترك عثمان الناس يقرءون القرآن قراءات مختلفة بلغات متباينة في ألفاظها ، لكان هذا مصدر فرقة لا شك فيها ، ولكان من المحقق أن هذه الفرقة حول الألفاظ ستؤدي إلى فرقة شر منها حول المعاني بعد أن كان الفتح ، وبعد أن استعرب الأعاجم ، وبعد أن أخذ الأعراب يقرءون القرآن » « 3 » .
--> ( 1 ) أبو شامة ، المرشد الوجيز . ( 2 ) الزركشي ، البرهان : 9 / 239 + السيوطي ، الاتقان : 1 / 171 . ( 3 ) طه حسين ، الفتنة الكبرى : 1 / 182 وما بعدها .