محمد حسين علي الصغير
38
تاريخ القرآن
ج - إنه كان ينزل إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ما يحتاج إليه في تلك السنة جملة واحدة ، ثم ينزل على مواقع النجوم إرسالا في الشهور والأيام . وهو رأي ابن عباس « 1 » . إلا أن ظاهر الآيات : أنزل القرآن جملة ، ويؤيده التعبير بالإنزال الظاهر في اعتبار الدفعة ، دون التنزيل الظاهر في التدرج ، فمدلول الآيات أن للقرآن نزولا جمليا على النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم غير نزوله التدريجي الذي تمّ في ثلاث وعشرين سنة « 2 » . لقد أكد هذا المعنى من ذي قبل ابن عباس بقوله : « إنه أنزل في رمضان ، وفي ليلة القدر ، وفي ليلة مباركة ، جملة واحدة ، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلا في الشهور والأيام » « 3 » . ومهما يكن من أمر ، فلا ريب بنزوله مفرقا أو منجما ، ليثبت إعجازه في كل اللحظات ، ولينضح بتعليماته بشتى الظروف ، في حين يعترض فيه الكفرة على هذا النزول : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا - 32 « 4 » . ولكن الرد كان حاسما ، لأن الوحي إذا تجدد في كل حادثة ، كان أقوى للعزم ، وأثبت للفؤاد ، وأدعى للحفظ والاستظهار ، وأشد عناية بالمرسل إليه فلا يغيب عنه إلا ويهبط عليه ، ولا يودعه حتى يستقبله ، وذلك يستلزم كثرة نزول الملك عليه وتجديد العهد به ، وبما معه من الرسالة ، وهو مضافا إلى العطاء الروحي ، ذو عطاء نفسي تهذيبي بالنسبة للنبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم « ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة نزول جبريل عليه السّلام عليه فيه » « 5 » .
--> ( 1 ) ظ : الطبرسي ، مجمع البيان : 1 / 276 . ( 2 ) ظ : الطباطبائي ، الميزان : 20 / 330 . ( 3 ) البيهقي ، كتاب الأسماء والصفات : 236 . ( 4 ) الفرقان : 32 . ( 5 ) ظ : أبو شامة ، المرشد الوجيز : 28 .