محمد حسين علي الصغير

30

تاريخ القرآن

وثمت دليل قرآني آخر في توجيه الخطاب إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعبارة « قل » في القرآن الكريم ، وتكرارها فيه أكثر من ثلاثمائة مرة ، تصريح وأي تصريح بأن النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم : « لا دخل له في الوحي ، فلا يصوغه بلفظه ، ولا يلقيه بكلامه ، وإنما يلقي إليه الخطاب إلقاء ، فهو مخاطب لا متكلم ، حاك لما يسمعه ، لا معبر عن شيء يجول في نفسه » « 1 » . لهذا كان إذا نزلت عليه آية أو سورة ، بل وجزء من آية ، يدعو كتبته لتدوينها على الفور نصا . ولقد بهت العرب أمام ظاهرة الوحي القرآني ، وهم أرباب الفصاحة والبلاغة ، وأئمة البيان والفن القولي ، وتذرعوا للتشكيك فيها بمختلف الوسائل ، فأثاروا الشبهات ، وتعقلوا بالأوهام ، فوصفوا النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم بالضلال ، والقرآن من ورائهم يناديهم بقوله : وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ( 1 ) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى ( 2 ) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ( 4 ) « 2 » . وتدعوا مرة أخرى إلى افتراضات متناقضة ، فقالوا : أضغاث أحلام ، وقد أيقنوا بصحوة النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم ويقظته ، وردّوه إلى الكذب والاختلاق ، وهم أنفسهم وصفوه من ذي قبل بالصادق الأمين ، ونسبوا النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم إلى الشعر ، وقد علموا بأن النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم أبعد ما يكون عن مزاج الشاعر وأخيلته ، وما ترك في هذا المجال أثرا يركن إليه بهذه السمة ، وقد عبر القرآن عن ذلك : بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ . . . - 5 « 3 » . وما استقامت لهم الدعوى في شيء ، ووصموه بالجنون : وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ « 4 » .

--> ( 1 ) صبحي الصالح ، مباحث في علوم القرآن : 30 . ( 2 ) النجم : 1 - 4 . ( 3 ) الأنبياء : 5 . ( 4 ) الحجر : 6 .