محمد حسين علي الصغير

27

تاريخ القرآن

وفيه - إذا صح - تفريق بين الوحي المباشر ، وهو جبرائيل عليه السّلام ، وبين ما أشار إليه من المبشرات التي يبدو أنها غير الوحي الذي يريده الرسول الأعظم صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم في الحديث . وقد يكون الوحي بملحظ آخر عاما بين جميع الأنبياء والرسل ، وقد يكون خاصا بالنبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم ، فما كان عاما يكون مشتركا بينه وبين الأنبياء والمرسلين لأنه أحدهم بل سيدهم ، وما كان خاصا ينفرد به وحده . فالأول : كقوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ - 25 . « 1 » ويبدو أن هذا الوحي يشتمل على جميع أقسام الوحي وكيفياته ، ولا يختص بالإيحاء بمعناه الدقيق ، لأن الإيمان بالوحدانية فطرة إنسانية تحتمها طبيعة العقل السّوي ، والأنبياء بعامة يتمتعون بهذه الفطرة نفسيا وعقليا . قال الراغب الاصفهاني ( ت : 502 ه ) : « فهذا الوحي هو عام في جميع أنواعه ، وذلك أن معرفة وحدانية اللَّه تعالى ، ومعرفة وجوب عبادته ليست مقصورة على الوحي المختص بأولى العزم من الرسل ، بل يعرف ذلك بالعقل والإلهام كما يعرف بالسمع ، فإذن المقصود من الآية تنبيه أنه من المحال أن يكون رسول لا يعرف وحدانية اللَّه ، ووجوب عبادته » « 2 » . والثاني : ما هو مختص بالنبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم وحده ، كالأمر له في قوله تعالى : اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ . . . 106 « 3 » . وكإخباره عن نفسه ، محكيا بقوله تعالى : إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ 9 « 4 » وكالطلب إليه بقوله تعالى :

--> ( 1 ) الأنبياء : 25 . ( 2 ) الراغب ، المفردات : 516 . ( 3 ) الأنعام : 106 . ( 4 ) الأحقاف : 9 .