محمد حسين علي الصغير
152
تاريخ القرآن
على ما افترض - وقوع التحريف بعد العصر الأموي . أما الافتراض الأول ، وهو وقوع التحريف في عهد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فباطل إجماعا ، بما تبين لنا من مدارسة ظاهرة الوحي ومعطياتها ، فقد ثبت أن الوحي منفصل عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في شخصيته المستقلة ، وأنه مؤتمن على الرسالة ، وقد أداها متكاملة غير منقوصة بنص القرآن الكريم : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً . . . « 1 » . فلو كان هناك ما يمنع من الكمال ، لما أيده القرآن ، وأي مانع عنه أفظع من إباحة التحريف في النص الذي ثبت إعجازه ، وكان دليل رسالته ، وبرهان دعواه ، فهذا الافتراض - إذن - مرفوع عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وعن البيئة التي رافقت القرآن في عصره إذ كان الحاكم والمشرع والآمر . وأما ادعاء وقوعه في زمن الشيخين ، فلم يعضده دليل نصي أو عقلي ، وحرص الشيخين على النص القرآني أشهر من أن يذكر ، فالدعوى باطلة . وأما في عهد عثمان ، فعثمان هو الذي وجد المصحف على لغة قريش ، والقراءات التي سبقت هذا التوحيد كانت اجتهادية في أغلب الظن ، ومظنة الخطأ لو وقعت في الاجتهاد ، فلا أساس لها في مس القرآن الكريم ، وانتشار القرآن آنذاك مانع كبير من أن يقع عليه شيء من التحريف ، وقد تعرض عثمان لثورة مضادة ، فما ادعى عليه شيء من هذا القبيل على الإطلاق ، فالدعوى - إذن - باطلة . وأما في عهد الإمام علي عليه السّلام فلا يصح أن يقع التحريف للأسباب المتقدمة ، ولاعتبارات أخرى : 1 - إنّ حريجة الإمام علي عليه السّلام في الدين بل وفي الجزئيات التشريعية معلومة الحال ، فكيف تجاه أصل الدين ، ونظام الإسلام ، وهو القرآن ، فلو سبق أن امتدت له يد التحريف ، لما وقف مترددا في إرجاع الحق إلى
--> ( 1 ) المائدة : 3 .