محمد حسين علي الصغير
136
تاريخ القرآن
وكلامه ، كما يقتفى لهذا العهد خط ولي أو عالم تبركا ، ويتبع رسمه خطأ أو صوابا . وأين نسبة ذلك من الصحابة فيما كتبوه ، فاتبع ذلك وأثبت رسما ، ونبه علماء الرسم على مواضعه . ولا تلتفتن في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنهم كانوا محكمين لصناعة الخط ، وأن ما يتخيل من مخالفته خطوطهم لأصول الرسم كما يتخيل ، بل لكلها وجه ، وما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيها للصحابة رضوان اللّه عليهم ، عن توهم النقص في قلة إجادة الخط ، وحسبوا أن الخط كمال ، فنزهوهم عن قصه ، ونسبوا إليهم الكمال بإجادته ، وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة عن رسمه وليس ذلك بصحيح . واعلم أن الخط ليس بكمال في حقهم ، إذ الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية ، والكمال في الصنائع إضافي وليس بكمال مطلق ، إذ لا يعود نقصه على الذات في الدين ، ولا في الخلال . وإنما يعود على أسباب المعاش ، وبحسب العمران والتعاون عليه ، لأجل دلالته على ما في النفوس . ولقد كان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أميا ، وكان ذلك كمالا في حقه ، وبالنسبة إلى مقامه ، لشرفه وتنزهه عن الصنائع العملية التي هي أسباب المعاش والعمران كلها . وليست الأمية كمالا في حقنا نحن ، إذ هو منقطع إلى ربه ، ونحن متعاونون على الحياة الدنيا » « 1 » . ورأي ابن خلدون واضح الأبعاد في إلقاء التبعة على من يتصور أن الخط كمال مطلق في حد ذاته ، وإن فقدانه يشكل نقصا جليا ، وعيبا لا يطاق ، وصوبوا في كتابته من أخطأ ، وليس الأمر كذلك ، فالإخلال ببعض قواعد الخط ، وجملة من أصول الإملاء ليس نقصا بحقهم ، بل هي الطاقة وجهد المقدور ، والتعظيم لمنزلة الصحابة لا يعني أن نغض الطرف عن خطأ هجائي وأصل إملائي فمنزلتهم شيء ، وحقائق الأمور شيء آخر ،
--> ( 1 ) ابن خلدون ، المقدمة : 350 . طبعة بولاق .