محمد حسين علي الصغير

133

تاريخ القرآن

تبلغ العقول إلى وجه حذف بعض أحرف من كلمات متشابهة دون بعض ، كحذف الألف من « قرأنا » بيوسف والزخرف ، وإثباتها في سائر المواضع ، وإثبات الألف بعد واو « سماوات » في فصلت وحذفها في غيرها ، وإثبات الألف في « الميعاد » مطلقا ، وحذفها من الموضع الذي في الأنفال ، وإثبات الألف في « سراجا » حيثما وقع ، وحذفه من موضع الفرقان ؟ وكيف نتوصل إلى حذف بعض التاءات وربطها في بعض ؟ ؟ فكل ذلك لأسرار إلهية ، وأغراض نبوية ، وإنما خفيت على الناس لأنها أسرار باطنية لا تدرك إلا بالفتح الرباني ، بمنزلة الألفاظ والحروف المقطعة في أوائل السور ، فإن لها أسرارا عظيمة ومعاني كثيرة ، وأكثر الناس لا يهتدون إلى أسرارها ولا يدركون شيئا من المعاني الإلهية التي أشير إليها ، فكذلك أمر الرسم الذي في القرآن حرفا بحرف » « 1 » . فهو كلام طويل عريض يشتمل على ادعاءات وافتراضات لا نوافقه عليها من عدة وجوه : الأول : أن الرسم المصحفي لم يرد فيه ولا حديث واحد عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فكيف يكون توقيفيّا ، والنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا يتهجى ، فكيف يتم هذا الغلو بشأنه ، بادعاء أن ما كتبوه كان بأمره ، وهو تجاوز على مقام النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يأمر بما يخطأ فيه ويصاب ، هجاء وإملاء مما نعتبره دون أدنى ريب خارجا عن توجيه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وتوقيفه ، لأنه لا يحسن منه شيئا ؛ وأمّا ما ورد بالزعم أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : قال لأحد كتبة الوحي : « ألق الدواة ، وحرف القلم ، وأنصب الباء ، وفرق السين ولا تعور الميم ، وحسن اللّه ، ومد الرحمن ، وجود الرحيم ، وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر لك » « 2 » . فموضوع لا أصل له ، ويدل على وضعه ونحله كون النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أميا ، فما أدراه بأصول الخط ؟ وما هي معرفته بالحروف ومميزات كتابتها وهو فاقد لأصل الصنعة ، وفاقد الشيء لا يعطيه كما يقولون ، وليس في ذلك انتقاص للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولا غض من منزلته ، ولكن

--> ( 1 ) الزرقاني ، مناهل العرفان : 1 / 376 . ( 2 ) المصدر نفسه : 1 / 370 .