محمد حسين علي الصغير

12

تاريخ القرآن

في حياته العائلية قبل البعثة نجده يتيما يسترضع في بني سعد ، ويقعد أبويه تباعا ، ويحتضنه جده عبد المطلب حضانة العزيز المتمكن ، وبوفاته يوصي به لأبي طالب ، ويتزوج وهو فتى في الخامسة والعشرين من عمره من السيدة العربية خديجة بنت خويلد ، وكان زواجا ناجحا في حياة عائلية سعيدة ، تكدّ وتكدح في تجارة تتأرجح بين الربح والخسران ، وفجأة الوحي الحقّ ، والتجأ إلى خديجة ، تزمله آنا ، وتدثره آنا آخر . وينهض النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم في دعوته ، فتجد الدعوة مكذبين ومصدقين ، وتقف قريش بكبريائها وجبروتها في صدر الدعوة ، ويلقى الأذى والعنت من قومه وعشيرته الأقربين ، وفي حمأة الأحداث يموت كافله وزوجته في عام واحد ، فيكون عليه عام الأحزان ، فلا اليد التي قدمت المال للرسالة ، ولا الساعد الذي آوى وحامى ، ويوحى إليه بالهجرة ، فتمثل حدثا عالميا فيما بعد . هذه لمحات يذكرها كل من يترجم للنبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم يطيل بها البعض ، ويوجز البعض الآخر ، وليست كل شيء في حياة النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم فقد تكون غيضا من فيض . ولست في صدد تأريخية هذه الأحداث ، ولا بسبيل برمجتها ، لألقي عليها ظلالا مكثفة من البحث ، ولكنها لمسات تمهيدية تستدعي الإشارة فحسب . ومهما يكن من أمر ، فقد تبقى طريقة النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم المنهجية في التوفيق بين واجباته الروحية ومهماته القيادية من جهة ، وبين حياته العامة ومساره الدنيوي من جهة ثانية ، لا تجد تأريخا يمثل بدقة ووضوح تامين المنهج الرئيسي الذي اختطه لنفسه هذا القائد العظيم وهو في مكة المكرمة . في المدينة المنورة حيث العدد والعدة ، والنصرة والفداء ، نلمس إيحاء قرآنيا بنقطتين مهمتين : الأولى : مواجهته للمنافقين وتحركهم جهرة وخفاء ، وتذبذبهم إزاء الرسالة بين الشك المتمادي ، والتصديق الكاذب ، يصافحون أهل الكتاب تارة ، ويوالون مشركي مكة تارة أخرى ، حتى ضاق بهم ذرعا ، ونهاهم