الشيخ محمد رشيد رضا

94

الوحي المحمدي

آية اللّه الكبرى القرآن العظيم القرآن الكريم ، القرآن الحكيم ، القرآن المجيد ، الكتاب العزيز الذي : ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) هو كتاب لا كالكتب ، هو آية لا كالآيات ، هو معجزة لا كالمعجزات ، هو نور لا كالأنوار ، هو سر لا كالأسرار ، هو كلام لا كالكلام ، هو كلام اللّه الحي القيوم ، الذي ليس لروح القدس جبريل الأمين عليه السلام منه إلا نقله بلفظه العربي من سماء الأفق الأعلى إلى هذه الأرض ، ولا لمحمّد رسول اللّه وخاتم النبيين صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آله منه إلا تبليغه للناس بلفظه الذي تلقاه عن الروح الأمين ، ثم بيانه لهم بالقول والعمل ليهتدوا به ، فهو معجز للخلق بلفظه ونظمه وأسلوبه وهدايته وتأثيره وعلومه . لم يكن في استطاعة محمّد صلّى اللّه عليه وسلم أن يأتي بسورة من سوره بكسبه ولا مواهبه . من علومه ومعارفه ، وفصاحته وبلاغته ، وهو صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن عالما ولا بليغا ممتازا إلا به . بل فيه آيات صريحة ناطقة بأنه لم يكن يعلم شيئا من علومه - تقدم بعضها ، وبأنه كان يعجز كغيره عن الإتيان بمثله ، وهو ما أمره تعالى أن يقوله للناس في تحديه إياهم واستدلاله به على نبوته ، وهو قوله تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [ يونس : 15 ] ، أي : لو شاء اللّه ألّا أتلوه عليكم ما تلوته ، ولما أعلمكم هو به ، فإني إنما تلوته عليكم بمشيئته وأمره ، فقد أقمت فيكم عمرا طويلا لم أتل عليكم شيئا ، أفلا تعقلون أنّ من عاش أربعين سنة لم يصدر عنه علم ولا عرفان ولا بلاغة لسان ، لا يمكن أن يصدر عنه بعد الاكتهال ، ما لم يكن له أدنى نصيب منه في سن الشباب « 1 » ؟ . وقد بينت في الكلام على آية التحدي بالقرآن من تفسير سورة البقرة [ 32 ] أهم وجوه الإعجاز اللفظي والمعنوي بالإجمال والإيجاز ، وهي بضعة أنواع « 2 » .

--> ( 1 ) راجع تفسير الآية ص 320 من جزء التفسير الحادي عشر ، ترى ما يؤيد هذا الدليل العقلي من العلم العصرى . ( 2 ) هي : 1 - أسلوبه ونظمه .