الشيخ محمد رشيد رضا

83

الوحي المحمدي

تفنيد تصويرهم للوحي النفسي وإبطاله من وجوه ( الوجه الأول ) : إن أكثر المقدمات التي أخذوا منها هذه النتيجة هي آراء متخيّلة ، أو دعاوى باطلة ، لا قضايا تاريخية ثابتة ، كما بيناه عند ذكرها ، وإذا بطلت المقدمات بطل لزوم النتيجة لها . مثال ذلك : زعمهم أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم سمع من نصارى الشام خبر غلب الفرس وظهورهم على الروم ؛ ليوهموا النّاس أنّ ما جاء في أول سورة الروم من الإنباء بالمسألة ، وبأن الروم سيغلبون الفرس بعد ذلك ؛ هو مستمد مما سمعه صلّى اللّه عليه وسلم من نصارى الشام ، وهذا مردود بدلائل التاريخ والعقل ؛ فأما التاريخ فإنه يحدثنا بأن ظهور الفرس على الروم كان في سنة 610 م وذلك بعد رحلة محمد الأخيرة إلى الشام بأربع عشر سنة وقبل بدء الوحي بسنة . ثم إن التاريخ أنبأنا أنّ دولة الروم كانت مختلة معتلّة في ذلك العهد بحيث لم يكن أحد يرجو أن تعود لها الكرّة والغلب على الفرس ، حتى أن أهل مكة أنفسهم هربوا بالخبر ، وراهن أبو بكر أحدهم على ذلك وأجازه النبي صلّى اللّه عليه وسلم فربح الرهان « 1 » ، وأما العقل فإنه يحكم بأن مثل محمد في سمو إدراكه المتفق عليه لا يمكن أن يجزم بأن الغلب سيعود للروم على الفرس في مدة بضع سنين ، لا من قبل الرأي ولا من الوحي النفسي المستمد من الأخبار غير الموثوق بها ، وقد صحّ أن انتصار الروم وقع سنة 622 م ، وكان وحى التبليغ للنبي صلّى اللّه عليه وسلم سنة 614 م ، فإذا فرضنا أنّ سورة الروم نزلت في هذه السنة يكون النصر قد حصل بعد ثماني سنين ، وإن كان في السنة الثانية تكون المدة سبع سنين ، وهو المعتمد في التفسير ، والبضع يطلق على ما بين الثلاث والتسع . والحكمة في التعبير عن هذا النبأ بقوله تعالى : غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ( 3 ) فِي بِضْعِ سِنِينَ [ الروم : 2 - 4 ] ، ولم يقل بعد سبع أو ثمان

--> ( 1 ) في القصة روايات من طرق ، فيها خلاف فيما قدروا فيه البضع وهو في الأصل من 3 - 9 فقيل خمس وقيل ست ، ولام النبي صلّى اللّه عليه وسلم أبا بكر على تحديده ، وقد أبهمه الله تعالى ، وفي بعضها أنهم أخطئوا الأجل الأول فأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم بأن يمادوهم في الأجل ويزايدوهم في الرهن ففعلوا ورضى المشركون . وكان الذي تولى قمارهم ابن خلف فأظهر الله الروم على الفرس عند انتهائه على رأس السبع من قمارهم الأول .