الشيخ محمد رشيد رضا
80
الوحي المحمدي
وأقول : أخرج البخاري حديث جابر في تفسير سورة المدثر من طرق في بعضها : أن أولها هو أول ما أنزل مطلقا وفي البعض الآخر أنها من حديث النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن فترة الوحي كالتي هنا ، وقد عبّر صلّى اللّه عليه وسلم عن رعبه من رؤية الملك بقوله : ( فجئثت منه رعبا ) وفي رواية أخرى : ( فجئثت منه حتى وهيت إلى الأرض ) ، أي فزعت وخفت وهو بضم الجيم وكسر الهمزة بالبناء للمفعول . هذا هو المعتمد عند المحدثين في أول ما نزل من القرآن ، والمشهور أنه نزل بعد أول المدثر سورة المزمل تامة وبعدها بقية سورة المدثر ؛ وقال مجاهد : أول ما نزل سورة ( ن والقلم ) وهو غلط ، وروى عن علىّ كرم اللّه وجهه أن أول ما نزل سورة الفاتحة واعتمده شيخنا في توجيه كونها فاتحة الكتاب ، ويمكن أن يراد أنها أول سورة تامة نزلت بعد بدء الوحي بالتمهيد التكويني ، ثم بالأمر بالتبليغ الإجمالي ، وتلاها فرض الصلاة ونزول سورة المزمّل أو نزلتا في وقت واحد . وسيأتي كلام آخر في فترة الوحي وأول ما نزل بعده .
--> السورة دفعة واحدة - وتارة تنزل الآيات المتفرقة ، وقد يكون بين ذلك فترات قصيرة ، كالذي ورد في سبب نزول سورة الضحى . وقد اختلط الأمر في هذا على درمنغام فظن أنها هي التي نزلت بعد فترة الوحي ، والمروى أنه نزل قبلها بضع سور . وكان سبب نزولها كما في الصحيحين من حديث جندب بن سفيان أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم اشتكى ( أي وجع ) فلم يقم ليلتين أو ثلاثا ( أي إلى تهجده وتلاوته ) فقالت : امرأة : يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك ، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث . فأنزل الله عز وجل : وَالضُّحى ( 1 ) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ( 2 ) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى [ الضحى : 1 - 3 ] أ . ه . تقرأ « ودعك » بالتشديد والتخفيف ومعناهما واحد وهو الترك ، والقلى بالكسر والقصر : البغض ، أي ما تركك ربك وما أبغضك ، وهذه المرأة أم جميل امرأة أبى لهب وبنت أبي سفيان كما رواه الحاكم عن زيد بن أرقم ، وكان هذا بعد نزول سورة ( تبت يدا أبى لهب ) ، وروى ابن جرير من طريقين مرسلين أن جبريل أبطأ على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فجزع جزعا شديدا ، فقالت خديجة : إني أرى ربك قد قلاك مما يرى من جزعك ، فنزلت - ومعارضة رواية الصحيحة بهاته الرواية المرسلة تسقط اعتبارها ، وإن جمع الحافظ بن حجر بينهما بأن خديجة قالت ما قالت توجعا ، وحمالة الحطب قالته شماتة .