الشيخ محمد رشيد رضا

74

الوحي المحمدي

به التأمل ابتغاء الحقيقة حتى لكان ينسى نفسه ، وينسى طعامه ، وينسى كلّ ما في الحياة لأن هذا الذي يرى في الحياة ليس حقا . وهناك كان يقلب في صحف ذهنه كمل ما وعى فيزداد عما يزاول الناس من ألوان الظن رغبة وأوزارا ، وهو لم يكن يطمع في أن يجد في قصص الأحبار وفي كتب الرهبان الحق الذي ينشد ، بل في هذا الكون المحيط به : في السماء ونجومها وقمرها وشمسها ، وفي الصحراء ساعات لهيبها المحرق تحت ضوء الشمس الباهرة اللألاء وساعات صفوها البديع ، إذ تكسوها أشعّة القمر أو أضواء النجوم بلباسها الرطب الندى . وفي البحر وموجه ! وفي كلّ ما وراء ذلك مما يتصل بالوجود ، وتشمله وحدة الوجود - في هذا الكون كان يلتمس الحقيقة العليا ابتغاء إدراكها . كان يسمو بنفسه ساعات خلوته ليتصل بهذا الكون وليخترق شغاف الحجب إلى مكنون سره » . ( قال درمنغام ) : « فلما كانت سنة 610 أو نحوها كانت الحالة النفسية التي يعانيها محمد على أشدها . فقد أبهظت عاتقه العقيدة بأن أمرا جوهريا ينقصه وينقص قومه ، وأن الناس نسوا هذا الأمر الجوهري وتشبث كل بصنم قومه وقبيلته ، وخشي النّاس الجنّ والأشباح والبوارح . وأهملوا الحقيقة العليا ، ولعلهم لم ينكروها ، ولكنهم نسوها نسيانا هو موت الروح . وقد خلصت نفس محمد من كلّ هذه الآراء التافهة ، ومن كلّ القوى التي تخضع لقوة غيرها ، ومن كل كائن ليس مظهرا للكائن الواحد . ولقد عرف أن المسيحيين في الشام ومكة لهم دين أوحى به ! وأن أقواما غيرهم نزلت عليهم كلمة اللّه ، وأنهم عرفوا الحق ووعوه أن جاءهم علم من أنبياء أوحى إليهم به . كلما ضل الناس بعثت السماء إليهم نبيا يهديهم إلى الصراط المستقيم ويذكرهم بالحقيقة الخالدة ، وهذا الدين الذي جاء به الأنبياء في كل الأزمان دين واحد ، وكلما أفسده النّاس جاءهم رسول من السماء يقوّم عوجهم . وقد كان الشّعب العربىّ يومئذ في أشد تيهاء الضلال . أفما آن لرحمة اللّه أن تظهر فيهم مرة أخرى وأن تهديهم إلى الحقّ ؟ » . « وتزايدت رغبة محمّد عن الاجتماع بالناس ، ووجد في وحدة غار حراء مسرة تزداد كل يوم عمقا ، وجعل يقضى الأسابيع ومعه قليل من الزاد ، وروحه تزداد بالصوم والسهر والإدمان على تقليب فكرته صقالا وحدّة ، ونسي النهار والليل والحلم واليقظة وجعل يقضى الساعات الطوال جاثيا في الغار ، أو مستلقيا في الشمس ، أو سائرا بخطوات واسعة في طرق الصحراء الحجرية وكأنه يسمع الأصوات تخرج من خلال أحجارها تناديه مؤمنة برسالته ! » .