الشيخ محمد رشيد رضا
7
الوحي المحمدي
مقدمة الطبعة الأولى بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قال اللّه تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 ) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 19 ) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 20 ) [ آل عمران : 18 - 20 ] . ارتقاء البشر المادي ، وهبوطهم الأدبي ، وحاجتهم إلى الدين : إن من المعلوم اليقيني الثابت بالحواس أن علوم الكون المادية تثب في هذا العصر وثوبا يشبه الطفور ، وتؤتى من الثمار اليانعة بتسخير قوى الطبيعة للإنسان ما صارت به الدنيا كلها كأنها مدينة واحدة ، وكأنّ أقطارها بيوت لهذه المدينة ، وكأنّ شعوبها عشائر وفصائل لأمة واحدة في هذه البيوت ( الأقطار ) يمكنهم أن يعيشوا فيها إخوانا متعاونين ، سعداء متحابين ، لو اهتدوا بالدين . وإنّ من المعلوم اليقيني أيضا أن البشر يرجعون القهقرى في الآداب والفضائل على نسبة عكسية مطّردة لارتقائهم في العلوم المادية واستمتاعهم بثمراتها ، فهم يزدادون إسرافا في الرذائل ، وجرأة على اقتراف الجرائم ، وافتنانا في الشهوات البهيمية ، ونقض ميثاق الزوجية ، وقطيعة وشائج الأرحام ، وعقوق الوالدين ، ونبذ هداية الأديان ، حتى كادوا يفضّلون الإباحة المطلقة على كل ما يقيد الشهوات من دين وأدب وعرف وعقل بل رجع بعضهم إلى عيشة العرى في أرقى ممالك أوروبا وأمريكا علما وحضارة ، كما يعيش بعض بقايا الهمج السذج في غابات إفريقية وبعض جزائر البحار النائية عن العمران . وإنّ من المعلوم اليقيني أيضا أنّ الدول الكبرى لشعوب هذه الحضارة أشدّ جناية عليهم وعلى الإنسانية من جنايتهم على أنفسهم - بإغرائها أضغان التنافس بينهم ، وباستعمالها جميع ثمرات العلوم ومنافع الفنون في الاستعداد للحرب العالمة التي تدمر في أشهر أو أيام معدودة صروح العمران التي شيّدتها العصور الكثيرة ، وتفنى الملايين فيها من غير المحاربين