الشيخ محمد رشيد رضا

69

الوحي المحمدي

البيان الإفرنسى ، إلا مسألة بحيرا الراهب فأصلها ما ذكرنا ، وكأنه لم يحفل بإثباتها ، لما يعلمه من مفتريات رجال الكنيسة فيها . فمحمد صلّى اللّه عليه وسلم لم يذهب مع عمّه إلى التجارة في الشام إلا وهو طفل - كما تقدم - وقد أعاده إلى مكة قبل إتمام رحلته ، ثم سافر إليها في تجارة خديجة وهو شاب مرة واحدة ، ولم يتجاوز سوق مدينة بصرى في المرتين ، والقوافل التي تذهب إلى الشام لم تكن تمر بمدين وهي في أرض سيناء ، ولم تكن هذه القوافل تضيّع شيئا من وقتها للبحث مع العرب أو الأعراب في طريقها عن أنبائها والتاريخ القديم لبلادها ، ولم يعرف عن تجارها أنهم كانوا يعنون بلقاء أحبار النصارى ومباحثتهم في دينهم وكتبهم ، فمن أين جاء لدر لدرمنغام أن محمدا هو الذي كان يشتغل في تلك التجارة بالبحث عن الأمم والتواريخ والكتب والأديان ، ويعنى بلقاء رؤسائها والبحث معهم كما يفعل رواد العلم والتاريخ ، وجواسيس السياسة من الإفرنج في هذا العصر إنما اخترع هذا لأنه لا يستطيع تعليل ما جاء في القرآن من قصص الرسل إلا به ، وكذلك الأنباء بغلب الروم للفرس كما سيأتي . وسترى ما نفند به تعليله وتحليله ، على تقدير صحة ما زعمه كله . المقدمة الثامنة : تصوير مجامع قريش بمكة وشأن محمد فيها ثم ذكر درمنغام أن العرب - ولا سيما أهل مكة - كانوا يصرفون معظم أوقاتهم بعد ما يكون من تجارة أو حرب في الاستمتاع بالذات من السكر والتسري وغير ذلك ، وأنّ التاريخ يشهد بأن محمدا كان يراهم ولم يكن يشاركهم في ذلك ، لا لفقره وضيق ذات يده ، بل لما صوره بقوله « لكن نفس محمد كانت شغوفا بأن ترى وأن تسمع وأن تعرف ، وكأن حرمانه من التعليم الذي كان يعلمه أنداده جعله أشد للمعرفة شوقا ، وبها تعلقا ، كما أن النفس العظيمة التي تجلت فيه من بعد ذلك آثارها ، وما زال يغمر العالم سلطانها ، كانت في توقها إلى الكمال ترغب عن هذا اللّهو الذي يطمح إليه أهل مكة ، إلى نور الحياة المتجلى من كل مظاهر الحياة لمن هداه الحق إليها لاستكناه ما تدل هذه المظاهر عليه ، وما تحدث الموهوبون به ، لعله يريد الملهمين . هذا الخبر من مخترعات خيال درمنغام ، فمحمد لم يكن شغوفا بأن يرى ما يفعله فسّاق قومه من فسق وفجور ، ولا أن يسمع ذلك ، ولا كان يتحرّى أن يعرفه ، وقد ثبت عنه أنه