الشيخ محمد رشيد رضا

61

الوحي المحمدي

وتنالون به الثواب ، هذا وإني أعلم من فئة مسلمة ما أعلمه من نفسي ولكنّهم يتحفظون في الكتمان ، ويسألون الكتب خشية سؤال الإنسان ، ولكنني لا أجد في السؤال عارا ، وكل عقل يخطئ ويصيب ، يزل ويستقيم . ( أحد قرائكم ) جواب المنار لقد سرنا من السائل أنه على تمكن الشبهة من نفسه لم يذعن لها تمام الإذعان فيسترسل في تعدى حدود الدين إلى فضاء الأهواء والشبهات التي تفسد الأرواح والأجسام ، بل أطاع شعور الدين الفطري ، ولجأ إلى البحث في الكتب ، ثم السؤال ممن يظن فيهم العلم ، بما يكشف الشّبهة ، ويقيم الحجّة ، وإن كثيرا من الناس لينصرفوا عن طلب الحق عند أول قزعة من الشبهة تلوح في فضاء أذهانهم ، لأنّهم شبّوا على حبّ التمتع والانغماس في اللذة ، ويرون الدين صادا لهم عن الانهماك والاسترسال فيها ، فهم يحاولون إماتة شعوره الفطري ، كما أمات النشوء في الجهل برهانه الكسبى . أرى السائل نظر من رسالة التوحيد في المقدمات ووعاها ، ولكنه لم يدقق النظر في المقاصد والنتائج ، لذلك نراه مسلما المقدمات دون النتيجة مع اللزوم بينهما ، فإذا هو عاد إلى مبحث ( حاجة البشر إلى الرسالة ) وتدبره وهو مؤمن بالله ، وأنه أقام الكون على أساس الحكمة البالغة والنظام الكامل ، فإنني أرجو له أن يقتنع ، ثم إنني آنست منه أنه لم يقرأ مبحث ( وقوع الوحي والرسالة ) أو لعله قرأه ولم يتدبره ، فإنه لم يذكر البرهان على نفس الرسالة ويبنى الشبهة عليه ، وإنما بناها على جزء من أجزاء المقدمات ، وهي القول في بعض صفات الرسل عليهم السلام ، وإنني أكشف له شبهته أولا فأبين أنها لم تصب موضعها ، ثم أعود إلى رأى في الموضوع . إنّ ( جان دارك ) التي اشتبه عليه أمرها بوحي الأنبياء لم تقدم بدعوة إلى دين أو مذهب تدعى أن فيه سعادة البشر في الحياة وبعد الموت كما هو شأن جميع المرسلين ، ولم تأت بآية كونية ولا علمية لا يعهد مثلها من كسب البشر تتحدى بها الناس ليؤمنوا بها ، وإنما كانت فتاة ذات وجدان شريف هاجه شعور الدين ، وحركته مزعجات السياسة فتحرك ، فنفر ،