الشيخ محمد رشيد رضا

255

الوحي المحمدي

الخاتمة في تجديد التحدي بتعاليم الوحي المحمدي ، ودعوة شعوب الحضارة إلى الدين الإسلامي تلك عقائد دين محمد وقواعد تشريعه ، وأصول إصلاحه الديني والاجتماعي والمالى والسياسي ، مسرودة بالإجمال ، مؤيدة بشواهدها من آيات القرآن ، مجرّدة من حلل المبالغات الخطابية ، وعاطلة من حلى الخلابة الشعرية ، ونحن المسلمين نتحدّى الفلاسفة والمؤرخين من جميع الأمم ، ولا سيما أحرار الإفرنج ، بأن يأتونا بمثلها أو بما يقرب منها من تاريخ الأنبياء ، وأشهر الحكماء ، وأبلغ الأدباء ، وأنبغ ساسة الأولين والآخرين مع صرف النظر عن كونه صلّى اللّه عليه وسلم كان - كما بينا أولا وآخرا - أميا ، وجاء بذلك كله بعد استكمال السن التي صرح علماؤهم بأن الإنسان يستحيل أن يبتدئ فيها علما أو فنا ، أو يسن فيها شرعا أو يضع قانونا ، أو أن ينهض في العالم بانقلاب عظيم أو عمل خطير ، مما لم يكن قد ظهر استعداده له وأخذ بمقدماته في ريعان الصبا ، وشرخ الشباب ، وقد بينا الفرق العظيم بينه وبين موسى وعيسى أعظم أنبياء بني إسرائيل صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين . نتحداهم بهذا القرآن تحديا علميا إصلاحيا سياسيا في أرقى عهد للبشر في العلم الكسبى ، مع صرف النظر عما كان من تحدى سلفنا بإعجاز عبارته وأسلوبها وبلاغتها العربية في أرقى عصورها ، ونتحداهم به تحديا عمليا من حيث إن تنفيذ محمد صلّى اللّه عليه وسلم لإصلاحه في تأثيره وسرعته وعمومه من أكبر المعجزات التي تفوق استعداد البشر ، فكيف وقد اجتمع العلم والعمل . وبيانه أن العلم مما يصلح به حال البشر في أفرادهم وجماعاتهم وشعوبهم علم واسع يقل في الأذكياء من يتقن المدون منه في الكتب الذي يلقن في المدارس ، ثم يقل من يستطيع تنفيذ ما يتعلمه منه في أمة يتولى أمر سياستها وإدارة الأحكام فيها ، فهل في الإمكان أن يوجد إنسان يضع هذا العلم ذا الشّعب الكثيرة ، بل العلوم العالية ، ثم يكون هو الذي يتولى تنفيذها وإصلاح أمة كبيرة بها ، ويتم له النجاح في ذلك بنفسه في عصره ؟ . إن هذا ليس في استطاعة أحد من البشر ، ولم يقع من أحد منهم فيما غير ، وأصول هذا الإصلاح وفروعه محفوظة إلى اليوم وقد فسد أكثر البشر لتركهم الاهتداء بها ! !