الشيخ محمد رشيد رضا
25
الوحي المحمدي
الفصل الأول في تحقيق معنى الوحي والنبوة والرسالة وحاجة البشر إليها وأصولها وعدم إغناء العقل والعلم الكسبى عنها « 1 » تعريف الوحي لغة وشرعا : قال في الأساس : أوحى إليه وأو رمى إليه بمعنى ، ووحيت إليه وأوحيت إذا كلمته بما تخفيه عن غيره ؛ وأوحى اللّه إلى أنبيائه : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ النحل : 68 ] . وقال الراغب : أصل الوحي الإشارة السريعة ، ولتضمن السرعة قيل « أمر وحى » . وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض ، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب ، وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة . وقد حمل على ذلك قوله تعالى عن زكريا : فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [ مريم : 11 ] إلخ ، أي : أشار إليهم ولم يتكلم . والوحي بتشديد الياء السريع ، ومن وحى الإيماء بالجوارح قول الشاعر : نظرت إليها نظرة فتحيرت * دقائق فكرى في بديع صفاتها فأوحى إليها الطرف أنى أحبها * فأثر ذاك الوحي في وجناتها فالقول الجامع في معنى الوحي اللغوي : أنه الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه بحيث يخفى على غيره . ومنه الإلهام الغريزي كالوحى إلى النحل ، وإلهام الخواطر بما يلقيه اللّه في روع الإنسان السليم الفطرة الطاهر الروح كالوحى إلى أم موسى ، ومنه ضده وهو وسوسة الشيطان ، قال تعالى : وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ [ الأنعام : 121 ] ، وقال : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [ الأنعام : 112 ] ، ووحى اللّه تعالى إلى أنبيائه قد روعى فيه المعنيان الأصليان لهذه المادة ، وهما : الخفاء والسرعة . فهذا معنى المصدر ، ويطلق على متعلقه وهو ما وقع به الوحي ، أي : اسم المفعول ، وهو ما أنزله تعالى على أنبيائه وعرفهم به من أنباء الغيب والشرائع والحكم ، ومنهم من أعطاه كتابا ، أي : تشريعا يكتب ومنهم من لم يعطه .
--> ( 1 ) هذا الفصل من زيادات الطبعة الثانية في أولها .