الشيخ محمد رشيد رضا
240
الوحي المحمدي
المقصد العاشر من مقاصد القرآن تحرير الرقبة إن استرقاق الأقوياء للضعفاء قديم في شعوب البشر ، بل هو معهود في الحشرات التي تعيش عيشة الاجتماع والتعاون أيضا كالنمل ، فإذا حاربت قرية منه أخرى فظفرت بها وانتصرت عليها فإنها تأسر ما سلم من القتال وتستعبده في خدمة الظافر من البناء وجمع المئونة وخزنها في مخزنها وغير ذلك . كانت شعوب الحضارة القديمة من المصريين والبابليين والفرس والهنود واليونان والروم والعرب وغيرها تتخذ الرقيق وتستخدمه في أشق الأعمال ، وتعامله بمنتهى القسوة والظلم ، وقد أقرته الديانتان اليهودية والنصرانية ، وظل الرق مشروعا عند الإفرنج إلى أن حررت الولايات المتحدة الأمريكية رقيقها في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي ، وتلتها إنجلترا باتخاذ الوسائل لمنعه من العالم كله في أواخر القرن التاسع عشر ، ولم يكن عمل كل منهما خالصا لمصلحة البشر العامة ، فإن لهم فيها مصالح خاصة ، ولا جنوحا للمساواة بينهم ، فإن الأولى لا تزال تفضل الجنس الأبيض الأوروبى المتغلب على الجنس الأحمر الوطني الأصلي بما يقرب من الاستعباد السياسي المباح عند جميع الإفرنج للشعوب ، بل يستبيح الشعب الأبيض تعذيب المخالف له في لونه في الولايات المتحدة على كل ذنب بما لا يبيحه القانون ، فيتخطفه دعارهم من أيدي الحكام والشرطة وينكلون به أشد تنكيل ، ويمثلون به أفظع تمثيل ، كما أن إنجلترا تحتقر الهنود وتستذلهم ، ولكن النهضة الهندية في هذا العهد قد خفضت من غلوائهم ، وطأمنت من إشناق كبريائهم « 1 » ، وغيرهما من الإفرنج المستعمرين شر منهما ظلما وقسوة وكل منهم يأبون أن يصلوا في كنائس مستعمراتهم مع أبناء البلاد فيتناوبون الصلاة فيها . فلما ظهر الإسلام ، وأشرق نوره الماحي لكل ظلام ، كان مما أصلحه من فساد الأمم إبطال ظلم الرقيق وإرهاقه ، ووضع الأحكام الممهدة لزوال الرق بالتدريج الممكن بغير ضرر ولا ضرار ولا بغى ولا استكبار ، إذ كان إبطاله دفعة واحدة متعذرا في نظام الاجتماع البشرى من الناحيتين : ناحية مصالح السادة المسترقين ، وناحية معيشة الأرقاء المستعبدين .
--> ( 1 ) آخر ما نشرته الجرائد في هذه الأيام من هذه السنة الميلادية ( 1934 ) عنهم أن طلبة جامعة أكسفورد انتخبوا رئيسا لبعض جماعاتهم فنال أكثر الأصوات طالب هندى فاضطرب الشعب الإنجليزى لهذه النازلة ، وارتفعت في إنكارها الأصوات من كل مكان : أهندى أسمر يكون فوق الإنجليز البيض في شئ ما ؟ .