الشيخ محمد رشيد رضا

232

الوحي المحمدي

والاتحاد ، وإن لم يسلموا كان الاتحاد بينكم وبينهم بالمساواة في العدل ، ولم يكونوا حائلا دونهما في دار الإسلام . والقتال لما دون هذه الأسباب التي يكون بها وجوبه عينيا أولى بأن ينتهى بإعطاء الجزية ، ومتى أعطوا الجزية وجب تأمينهم وحمايتهم والدفاع عنهم وحريتهم في دينهم بالشروط التي تعقد بها الجزية ، ومعاملتهم بعد ذلك بالعدل والمساواة كالمسلمين ، ويحرم ظلمهم وإرهاقهم بتكليفهم ما لا يطيقون كالمسلمين ، ويسمون أهل الذمة لأن كل هذه الحقوق تكون لهم بمقتضى ذمة اللّه وذمة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأما الذين يعقد الصلح بيننا وبينهم عهد وميثاق يعترف به كل منا ومنهم باستقلال الآخر فيسمون بأهل العهد والمعاهدين « 1 » . حكمة الجزية وسببها وما تسقط به : هذا - وإن الجزية في الإسلام لم تكن كالضرائب التي يضعها الفاتحون على من يتغلبون عليهم فضلا من المغارم التي يرهقونهم بها ، وإنما هي جزاء قليل على ما تلتزمه الحكومة الإسلامية من الدفاع عن أهل الذمة وإعانة للجند الذي يمنعهم أي يحميهم - ممن يعتدى عليهم ، كما يعلم من سيرة أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهم أعلم الناس بمقاصد الشريعة وأعدلهم في تنفيذها ، والشواهد على ذلك كثيرة أوردنا طائفة منها في تفسير الآية بعد ما تقدم آنفا . « منها » ما كتبه خالد بن الوليد رضى اللّه عنه « الصلوبا بن نسطونا » حينما دخل الفرات وهو : « هذا كتاب من خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا وقومه ، إني عاهدتكم على الجزية والمنعة فلك الذمة والمنعة ، وما منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا ، وكتب سنة اثنتي عشرة في صفر » أ . ه ، وهو صريح في أن الجزية جزاء على المنعة والحماية تدوم بدوامها ، وتمتنع بزوالها . ويؤيده بالعمل ما ذكره البلاذري في فتوح البلدان ، والأزدي في فتوح الشام من ردّ الصحابة رضى اللّه عنهم لما كانوا أخذوه من أهل حمص من الجزية حين اضطروا إلى تركهم لحضور وقعة اليرموك بأمر أبى عبيدة رضى اللّه عنه وقد صرّحوا لهم أنهم قد أخذوها جزاء منعتهم فوجب ردها للعجز عن هذه المنعة . فعجب أهل حمص - نصاراهم ويهودهم - أشد العجب من رد الفاتحين أموالهم إليهم ودعوا لهم بالنصر على الروم .

--> ( 1 ) راجع القواعد في 6 - 9 ص 140 و 141 ج 10 تفسير المنار ، وما تحيل عليه من الآيات .