الشيخ محمد رشيد رضا
225
الوحي المحمدي
أعجوبة القرآن في فساد معاهدات الزمان : وقد بين اللّه تعالى في كتابه سبب هذه الخيبة بما وجدنا مصداقه في هذه الدول الأوروبية بأظهر مما كان في عرب الجاهلية الذي نزل هذا البيان في عهدهم ، كأنه نزل في هؤلاء الإفرنج دون غيرهم ، وهو من عجائب القرآن لي لفظه ومعناه ، وذلك قوله تعالى بعد الأمر بالإيفاء بعهده ، والنهى عن نقضه : وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ [ النحل : 92 ] والمعنى : لا تكونوا في نقض عهودكم والعود إلى تجديدها كالمرأة الحمقاء التي تنقض غزلها من بعد قوة إبرامه نقض أنكاث « وهو جمع نكث بالكسر ما نقض ليغزل مرة أخرى » حال كونكم تتخذون عهودكم دخلا بينكم « والدخل التحريك بالفساد والغش الخفي الذي يدخل في الشيء وما هو منه » لأجل أن تكون أمة أربى وأزيد رجالا ، وأكثر ربحا ومالا ، وأقوى أسنة ونصالا ، من أمة أخرى . والمراد أن معاهدات الصلح والاتفاق بين الأمم يجب أن يقصد بها الإصلاح والعدل والمساواة ، فتبنى على الإخلاص دون الدخل والدغل الذي يقصد به أن تكون أمة هي أربى نفعا وأكثر عددا وجمعا من الأمة الأخرى ، وهو ما عليه هذه الدول في جميع معاهداتها ولا سيما المعاهدة الأخيرة بعد الحرب للعامة ( معاهدة فرسايل ) . ولو طلبوا المخرج والسلامة من هذا الحظر لوجدوهما في دين الإسلام ، فهو هو دين الحق والعدل والسلام ، وهاك بعض القواعد الحرب والسلم في القرآن .