الشيخ محمد رشيد رضا
202
الوحي المحمدي
أصول التشريع في الإسلام المعروف عند جمهور أهل السنة أن أصول التشريع الأساسية أربعة : ( 1 ) القرآن المجيد ، والمشهور عند علماء الأصول : أن آيات الأحكام العملية فيه ، من دينية وقضائية وسياسية لا تبلغ عشر آياته ، وعدّها بعضهم خمسمائة آية للعبادات والمعاملات ، والظاهر أنهم يعنون الصريح منها ، وأكثرها في الأمور الدينية ، لأنّ أكثر أمور الدنيا موكول إلى عرف الناس واجتهادهم . ( 2 ) ما سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للعمل والقضاء به من بيان وتنفيذ لكتاب اللّه تعالى ، وقالوا أيضا : إن أحاديث الأحكام الأصول خمسمائة حديث تمدها أربعة آلاف فيما أذكر . ( 3 ) إجماع الأمة ؛ واتّفق أهل السنة على الاحتجاج بإجماع الصحابة في الدينيات ، والشيعة على إجماع أهل البيت في عرفهم ، وفي إجماع المجتهدين من غيرهما تفصيل . ( 4 ) اجتهاد الأئمة والأمراء والقضاة والقواد في الأمور القضائية والسياسية والإدارية والحربية ، فخصّه بعض الفقهاء بالقياس . وأنكر بعضهم القياس وأقره آخرون كما فصّلنا ذلك في مواضع ، أبسطها ما في تفسير آية 101 من سورة المائدة . ورد في هذا الترتيب أحاديث وآثار تدل على العمل به في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والخلفاء الراشدين ( منها ) حديث معاذ أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما أرسله إلى اليمن قال له : « كيف تصنع إذا عرض لك قضاء ؟ » . قال أقضى بما في كتاب الله ، قال : « فإن لم يكن في كتاب الله ؟ » . قال : فبسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « فإن لم يكن في سنة رسول الله ؟ » . قال : أجتهد رأيي لا آلو . قال معاذ : فضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، صدري ثم قال : « الحمد للّه الذي وفق رسول رسول اللّه لما يرضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » . رواه أبو داود والترمذي من طريق الحارث بن عمرو ، وفيه مقال وله شواهد ، وأما العمل بهذا الترتيب فهو معروف عن الخلفاء الراشدين ، قد بيناه في محله وبه أمر عمر رضى اللّه عنه قاضيه شريح في كتابه المشهور في القضاء ولكن الفقهاء يقدمون الإجماع حتى العرفي عند علماء الأصول - وهو مختلف فيه - على النص المختلف في حكمه . والأصل في شرعية اجتهاد الرأي للحكّام حديث : « إذا حكم الحاكم فاجتهد ثمّ أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد » . رواه الجماعة كلهم عن أبي هريرة إلا الترمذي فعن عمرو بن العاص .