الشيخ محمد رشيد رضا

192

الوحي المحمدي

طبيعة البشر إن أريد بالبشر جميع أفرادهم ، وأن الحكماء ما زالوا يسعون لجمع البشر على لغة واحدة مشتركة ، مع علمهم أن ترقى بعض اللغات بترقى أهلها في العلوم والفنون والسياسة والقوة والعصبية يستحيل معه أن يرغبوا عنها إلى غيرها ، ولم يسع أحد منهم لجمعهم على دين واحد ، وأنّ القرآن الذي شرع توحيد الدين مع شرعه ولغته لجميع البشر . قد علمنا أن حكمة اللّه تعالى في خلق الإنسان تأبى أن يكون الناس كلهم أمة واحدة تدين بدين واحد قال اللّه تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [ هود : 118 ، 119 ] وإنما دعاهم إلى هذه الرحمة ليقل الشقاء الذي يثيره الخلاف فيهم : هذا الخلاف الذي جعل أعظم شعوب الأرض وأرقاهم في العمران يبذلون في هذا العهد أكثر ما تستغله شعوبهم من ثروة العالم في سبيل الحروب التي تنذر عمرانهم الخراب والدمار . فإذا كان مقتضى طبع البشر أن لا يتفقوا كلهم على شئ واحد من لغة ولا دين ولا غيرهما من الأمور التي تختلف فيها الآراء ، فهذا لا يمنع دعوتهم كلهم إلى الحق والخير ، ولا بد أن يستجيب خيارهم على قاعدة غلب الحق على الباطل . وقد استشكل هذا بعض العلماء من حيث المخاطب بتنفيذه ، فقلت لهم : إن المخاطب بتعميم لغة الإسلام ، هم أولو الأمر المخاطبون بتعميم دعوة الإسلام وإقامة شرع الإسلام ، وقد جرى على ذلك الصحابة والخلفاء من بعدهم كما تقدم . دعا الإسلام البشر كلهم إلى دين واحد يتضمن توحيد اللغة وغيرهما من مقومات الأمم فكانوا يدخلون فيه أفواجا ، حتى امتدّ في قرن واحد ما بين المحيط الغربى إلى أقصى الهند أو الصين ، ولولا ما طرأ عليه من الابتداع ، وعلى حكوماته من الظلم والاستبداد ، وعلى شعوبه من الجهل والفساد ، والتفرق بالاختلاف . لدخل فيه أكثر البشر ، ولصارت لغته لغة لكل من دخل في حظيرته من الأمم فمن غرائزهم اختيار الأفضل إذا عرفوه ، بل علمنا القرآن أن هذه سنة عامة . في الاجتماع البشرى ، بل في كل تنازع بين الحق والباطل ، والنافع والضار ، والصالح والفاسد ، إنما يكون الغلب للأفضل والثبات والبقاء للأمثل ، فراجع الآيات في دمغ الحق للباطل ، ثم اعتبر فيه بهذا المثل الماثل : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ [ الرعد : 17 ] .