الشيخ محمد رشيد رضا
190
الوحي المحمدي
الأصل الثامن : وحدة اللغة ، ووجهها : أنه لا يمكن أن يتم الاتحاد والإخاء بين الناس وصيرورة الشعوب الكثيرة أمة واحدة إلا بوحدة اللغة « 1 » وما زال الحكماء الباحثون في مصالح البشر العامة يتمنّون لو يكون لهم لغة واحدة مشتركة ، يتعاونون بها على التعارف والتآلف ، ومناهج التعليم والآداب ، والاشتراك في العلوم والفنون والمعاملات الدنيوية ، وهذه الأمنية قد حققها الإسلام بجعل لغة الدين والتشريع والحكم لغة جميع المؤمنين به والخاضعين لشريعته . إذ يكون المؤمنون مسوقين باعتقادهم ووجدانهم إلى معرفة لغة كتاب اللّه وسنة رسوله لفهمهما والتعبد بهما ، والاتحاد بأخوتهم فيهما ، وهما مناط سيادتهم ، وسعادتهم في الدنيا والآخرة ، ولذلك كرّر في القرآن بيان كونه كتابا عربيا ، وحكما عربيا ، وكرر الأمر بتدبره والتفقه فيه ، والاتعاظ والتأديب به ، وأما غير المؤمنين فيتعلمون لغة الشرع الذي يخضعون لحكمه ، والحكومة التي يتبعونها لمصالحهم الدنيوية كما هي عادة البشر في ذلك ، وكذلك كان الأمر في الفتوحات الإسلامية العربية كلها . وقد فصّلت في المنار والتفسير مسألة وجوب تعلم اللغة العربية في دين الإسلام وكونه مجمعا عليه بين المسلمين كما قرره الإمام الشافعي رضى اللّه عنه في رسالته ، وهو الذي جرى عليه العمل في عهد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وخلفائه الراشدين ، ثم خلفاء الأمويين والعباسيين إلى أن كثر الأعاجم ، وقلّ العلم ، وغلب الجهل ، فصاروا يكتفون من لغة الدين بما فرضه اللّه في العبادات من القرآن والأذكار « 2 » . الشواهد من السنّة على وحدة الجنس واللغة : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ينكر على المسلمين كل نوع من أنواع التفرقة الذي ينافي وحدتهم وجعلهم أمة واحدة كالجسد الواحد كما شبههم بقوله : « مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى » . رواه الإمام أحمد من حديث النعمان بن بشير رضى اللّه عنه ، وكان يخص بمقته وإنكاره التفرق في الجنس النسبي أو اللغة . أما الأول فمشهور ومنه أن أبا ذر رضى اللّه عنه وهو من السابقين الأولين المتقين تغاضب مع بلال الحبشي مولى أبى بكر رضى اللّه عنه وتسابا فقال
--> ( 1 ) المراد أنه لا يمكن هذا مع حرية الدين التي قررها الإسلام إلا باللغة . ( 2 ) راجع ذلك في ص 310 من الجزء التاسع تفسير المنار .