الشيخ محمد رشيد رضا

187

الوحي المحمدي

المقصد الرابع من مقاصد القرآن الإصلاح الإنسانى الاجتماعي السياسي الوطني بالوحدات الثماني ( وحدة الأمة - وحدة الجنس البشرى - وحدة الدين - وحدة التشريع بالمساواة في العدل - وحدة الأخوة الروحية والمساواة في التعبد - وحدة الجنسية السياسية الدولية - وحدة القضاء - وحدة اللغة ) . جاء الإسلام والبشر أجناس متفرقون . يتعادون في الأنساب والألوان ، واللغات والأوطان والأديان ، والمذاهب والمشارب ، والشعوب والقبائل ، والحكومات والسياسات ، يقاتل كل فريق منهم مخالفة في شئ من هذه الروابط البشرية وإن وافقه في البعض الآخر ، فصاح الإسلام بهم صيحة واحدة دعاهم بها إلى الوحدة الإنسانية العامة ، الجامعة ، وفرضها عليهم ، ونهاهم عن التفرق والتعادى وحرمه عليهم ، وبيان هذا التفرق ومضاره بالشواهد التاريخية وبيان أصول الكتاب الإلهى وسنة خاتم النبيين في الجامعة الإنسانية . لا يمكن بسطهما إلا بمصنّف كبير ، فنكتفى في هذا المقصد من إثبات الوحي المحمدي بسرد الأصول الجامعة في هذا الإصلاح الإنسانى الداعي إلى جعل الناس على ملة واحدة ، ودين واحد ، وشرع واحد ، وحكم واحد ، ولسان واحد ، كما أن جنسهم واحد ، وربهم واحد ، ونبدأ بالأصل الجامع في هذا ، ونقفى عليه بالأصول والشواهد المفصلة له . الأصل الأول للجامعة الإسلامية الإنسانية : وحدة الأمة قال اللّه تعالى في سورة الأنبياء مخاطبا أمة الإسلام بعد ذكر خلاصة من قصصهم : إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [ الأنبياء : 92 ] « 1 » . ثم بين لهم في سورة « المؤمنون » أنه خاطب جميع النبيين بهذه الوحدة للأمة فقال : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 51 ) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [ المؤمنون : 51 ، 52 ] . ولكن لكلّ نبي أمة من الناس هم قومه ، وأما خاتم النبيين فأمّته جميع الناس ، وقد فرض اللّه عليهم الإيمان بجميع رسله وعدم التفرقة بينهم ، فالإيمان بخاتمهم كالإيمان

--> ( 1 ) قرأ الجمهور « أمتكم » بالرفع على أنها خبر ، « وأمة » بالنصب على أنها حال لأمة ( واحدة ) صفة لأمة .