الشيخ محمد رشيد رضا

177

الوحي المحمدي

وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ البقرة : 164 ] ، ويلي ذلك في الكثرة آيات كتابه التشريعية ، ووصاياه كقوله في تفصيل الوصايا الجامعة من أواخر [ سورة الأنعام : 151 ] : ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ، وكرر قوله : أَ فَلا تَعْقِلُونَ أكثر من عشرات كأمره لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحتج على قومه بكون القرآن من عند اللّه لا من عنده بقوله : فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ [ يونس : 16 ] ، وجعل إهمال استعمال العقل سبب عذاب الآخرة بقوله في أهل النار في سورة [ سورة الملك الآية : 10 ] : وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ ، وفي معناها قوله تعالى من [ سورة الأعراف : 179 ] : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ، وقوله في [ سورة الحج : 46 ] : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها . كذلك آيات النظر العقليّ والتفكر كثيرة في الكتاب العزيز ، فمن تأملها علم أن أهل هذا الدين هم أهل النظر والتفكر والعقل والتدبر ، وأنّ الغافلين الذين يعيشون كالأنعام لا خطّ لهم منه إلا الظواهر التقليدية التي لا تزكى الأنفس ولا يثقف العقول ، ولا تصعد بها في معارج الكمال ، بعرفان ذي الجلال والجمال ، ومنها قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى [ الروم : 8 ] ، وقوله في صفات العقلاء أولى الألباب : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ آل عمران : 191 ] ، وقوله بعد نفى علم الغيب والتصرف في خزائن الأرض عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وحصر وظيفته في اتباع الوحي : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ [ الأنعام : 50 ] . وقد صرّح بعض حكماء الغرب بما لا يختلف فيه عاقلان في الأرض من أنّ التفكّر هو مبدأ ارتقاء البشر ، وبقدر جودته يكون تفاضلهم فيه . كانت التقاليد الدينية قد حجرت حريّة التفكر واستقلال العقل على البشر . حتى جاء الإسلام فأبطل بكتابه هذا الحجر ، وأعتقهم من هذا الرقّ ، وقد تعلم هذه الحرية أمم الغرب من المسلمين ، ثم نكس هؤلاء المسلمون على رؤوسهم فحرموها على أنفسهم إلا قليلا منهم حتى عاد بعضهم يقلدون فيها من أخذوها عن أجدادهم ، وقد اعترف علماء الغرب لعلماء سلفنا بسبقهم وإمامتهم لهم فيها وفي ثمراتها ، ونقل شيخنا الأستاذ الإمام طائفة من أقوالهم في كتاب ( الإسلام والنصرانية ) .