الشيخ محمد رشيد رضا

172

الوحي المحمدي

[ الأنعام : 9 ] ، أي : لما كانوا لا يمكن لهم أن يدركوا الملك ويتلقوا عنه إلا إذا كان بصورة رجل مثلهم ، وهو ما استنكروه من كون الرسل بشرا مثلهم ، فلو جعل اللّه ملكا رسولا إليهم لجعله مثلهم ، ولالتبس عليهم أمره بما يلبسونه على أنفسهم من استنكار كون الرسل بشرا مثلهم . وهكذا يفعلون الآن ؛ ظهرت لهم في عصرنا عدّة آيات روحية من المكاشفات والتأثير في المادة فيشبهوها بما عرفوا من الأمور المادية ، فأطلقوا على تلك المكاشفات اسمى قراءة الأفكار ومراسلة الأفكار ، وقالوا إنها من قبيل نقل الكلام بالسيال الكهربائي من مكان إلى مكان ، حتى لا يعترفوا بآية إبداعية أو غيبية من الخالق لا تخضع لعلمهم ، وهم ما زالوا يرتقون في الأسباب إلى أن وصلوا من ظواهر تكوين الكهرباء الإيجابية والسلبية ( بما يسمونه : ألكترون والبروتون ) إلى مستوى قريب من عالم الغيب ، وظنوا أنهما أصل لكلّ ما في عالم الشهادة من شئ . على أن الكهرباء ليست بمادة محض ، ولا بقوة محض ، ولكنها شئ موجود دخل في حكم علمهم بوجه ما ، وهم عتاة لا يؤمنون إيمانا تعبديا إلا بآية تعلو على مدارك علمهم وعقولهم . الخطر على البشر من ارتقاء العلم بدون الدين : إنّ حرمان هؤلاء العلماء من الإيمان بآية كونية للّه تعالى من هذا النوع قد جعل حظّ البشر من هذا الارتقاء العجيب في العلم أنهم ازدادوا به شقاء حتى صارت حضارتهم مهدّدة بالتدمير العلمي الصناعي في كل يوم ، وجميع علمائهم المصلحين ، وساستهم الدهاقين . في حيرة من تلافى هذا الخطر ، ولن يتلافى إلا بالجمع بين العلم والدين ، وهذا ما جاءهم به محمّد خاتم النبيين ، ولأجله أثبتت الآيات بكتابه وفي كتابه المبين . إذ لا يمكن أن يخضع البشر إلا لما هو فوق استطاعتهم . بقيام الدليل على أنه من السلطان الغيبي الإلهى الذي هو فوق استعدادهم ، ولا يظهر هذا السلطان والبرهان في علوم الكون . لما ذكرنا من شنشنتهم فيها ، وإنما يظهر أكمل الظّهور في هذا القرآن ، وسنتحدّاهم به أتمّ التحدي في خاتمة هذا الكتاب . . .