الشيخ محمد رشيد رضا

170

الوحي المحمدي

وتمحيصه ، وأنه لا بد أن يكون وقوعه لحكمة بالغة لا عن خلل ولا عبث ، وأن ما خفى علينا من حكمه تعالى فهو كسائر ما يخفى علينا من أمور خلقه ، نبحث عنهما لنزداد علما بكماله ، ونكمل به أنفسنا بقدر استطاعتنا ، ولا نتخذها حجّة ولا عذرا على الكفر به لجهلنا ، وقد ثبت لأعلم علماء البشر في كل عصر أنّ ما نجهل من هذا الكون أكثر مما نعلم ، ويستحيل أن يحيط البشر به علما . أجمع على هذا علماء هذا العصر الماديين على سعة علمهم بالمادة وسننها ، وكثرة ما أحدثوا من الصناعات والمنافع بتسخيرها ، فما قولك بعالم الرّوح والغيب ؟ إنه ليظهر فيهم قبلهم صدق قوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 85 ] . ونؤمن بأن اللّه تعالى قد أرسل إلى البشر رسلا هدوهم بآياته إلى الخروج من مضيق مدارك الحس ، وما يستنبطه الفكر منها بادئ الرأي ، إلى ما وراءها من سعة عالم الغيب ، ولولا هدايتهم لظلّ البشر ألوف الألوف من السنين ينكرون وجود ما لم يكونوا يدركونه بحواسهم من الأجسام وأعراضها ، وبقياسهم ما جهلوا على ما علموا منها . وما ينكره الإنسان ويعتقد استحالة وجوده لا يبحث عنه . وقد علمنا من التاريخ أنّ الإيمان باللّه وبآياته لرسله ، وباليوم الآخر ، وبما يكون فيه من الحساب والجزاء على الأعمال ، هو الذي وجه عقول البشر إلى البحث في أسرار الوجود ، حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الارتقاء في العلوم والفنون والصناعات في الأجيال المختلفة ، ولم يكن لغير المؤمنين بالغيب منهم نصيب في ذلك - فهذا الإيمان بالأركان الثلاثة من الغيب هو الذي أوصل البشر إلى علوم وأعمال كان يعدها غير المؤمنين بالغيب من مجالات العقول كالغيب الذي أنكروه ، حتى لم يعد شئ من أخبار الغيب بعيدا عن العقل بعد ثبوتها . فتبين لنا بهذا وبما قبله أنه كان للبشر بآيات الأنبياء ثلاث فوائد هي من حكم نصبه تعالى لتلك الآيات . ( الأولى ) : جعلها دليلا حسيا على اختياره تعالى في جميع أفعاله ، وكون سنن النظام في الخلق خاضعة له ، لا حاكمة عليه ولا مقيدة لإرادته وقدرته . ( الثانية ) : جعلها دليلا على صدق رسله فيما يخبرون عنه بوحيه ، ونذرا للمعاندين لهم