الشيخ محمد رشيد رضا
158
الوحي المحمدي
علاج خرافات تصرف الأولياء في الكون : أما الذين يشركون باللّه في عبادته بجهلهم لآياته وتقليد أمثالهم من الجاهلين في خرافاتهم ، فلا علاج لهم إلا تعليمهم توحيد اللّه الخالص في ربوبيته وألوهيته بآيات القرآن ، دون نظريات كتب الكلام ، وتعليمهم وظائف الرسل ، وكونهم بشرا اختصهم اللّه تعالى بوحيه لتبليغ عباده ما ارتضاه لهم من الدين بالقول والعمل ، وحصر اختصاصهم بالتعليم والإرشاد تبشيرا وإنذارا ، وتنفيذ أحكام شرعه فيهم بالعدل والمساواة ، ولم يؤتهم من التصرف الفعلي في خلقه ما يقدرون به على هداية أقرب الناس وأحبهم إليهم بالطبع كالوالد والولد والزوجة ومن دونهم من أولى القربى ، فوالد إبراهيم الخليل عاش كافرا ومات كافرا عدوا للّه ورسوله وخليله ، وولد نوح أول الرسل إلى الأمم مات كافرا ولم يأذن اللّه تعالى لنوح بحمله في السفينة فكان من الكافرين المغرقين ، وكان أبو لهب عمّ محمّد - حبيب اللّه ورسوله - أشدّ أعدائه الصادين عنه المؤذين له ، وأنزل اللّه في ذمه ووعيده سورة من القرآن يتعبد بها المؤمنون إلى يوم القيامة لم ينزل مثلها في أحد من أعدائه وأعداء رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم . بل كان من كمال حكمة اللّه تعالى أن عمه الذي كفله ورباه وكف عنه أذى المشركين ما استطاع لم يؤمن به وقد عرض عليه أن ينطق بكلمة « لا إله إلا الله » ليشهد له بها يوم القيامة فامتنع فأنزل اللّه تعالى فيه : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ القصص : 56 ] رواه مسلم في صحيحه . وقد شرحنا هذا الموضوع في تفسير قوله تعالى : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ [ الأنعام : 74 ] . . الآيات « 1 » ، ثم بينا في خلاصة هذه السورة ( الأنعام ) وظائف الرسل عليهم السلام بما يحسن أن يراجعه من يحب استيفاء هذا الموضوع « 2 » ، وإذا كان الأنبياء والمرسلون لم يؤتوا القدرة على التصرف في الكون فكيف يؤتاه الأولياء وغيرهم ؟ ! .
--> ( 1 ) ص 534 - 565 - ج 7 تفسير المنار . ( 2 ) ص 275 - 578 ج 8 تفسير المنار .