الشيخ محمد رشيد رضا
153
الوحي المحمدي
إنّ عوام الشعوب الذين يجهلون تواريخ الأمم ، وما وجد عند كل منها من هذه الغرائب ، ومما كشفه العلماء من حيل فيها وعلل ، يغترون بما عندهم منها ، ويخضعون للدجالين والمحتالين الذين ينتحلونها ، ويمكنونهم من أموالهم فيسلبونها ، ويأتمنونهم على أعراضهم فينتهكونها ، ولا سيما إذا كانوا يأتون ما يأتون منها ، على أنه من كرامات الأولياء وعجائب القديسين ، ويقل تصديق هذا أو الانقياد لأهله حيث ينتشر تعليم التواريخ وما عند جميع الأمم من ذلك ، على أنه لا يزال كثيرا في جميع بلاد أوروبا وأمريكا ، ولعله دون ما في بلاد الشرق ولا سيما القرى وهمج الزنوج وغيرهم . بيد أن آيات اللّه الحقيقية التي نسميها المعجزات هي فوق هذه الأعمال الصناعية الغريبة لا كسب لأحد من البشر ولا صنع لهم فيها ، وأن ما أيد به رسله منها لم يكن يكسبهم ولا عملهم ولا تأثيرهم ، حتى ما يكون بدؤه بحركة إرادية يأمرهم اللّه تعالى بها ، ألم يهد لك كيف خاف موسى عليه السلام حين تحولت عصاه حية تسعى ، فولّى مدبرا ولم يعقب « 1 » لشدة خوفه منها ، حتى هدأ اللّه روعه وأمن خوفه ؟ أو لم تقرأ قوله لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] ؟ ، أو لم تفهم ما أمره اللّه تعالى أن يجيب به مقترحى الآيات عليه من قومه بقوله : قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [ الإسراء : 93 ] ؟ ، وقوله : قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ [ الأنعام : 109 ] وما في معناهما ؟ ! .
--> ( 1 ) يعقب : بتشديد القاف أي لم يلتفت ولم يرجع .