الشيخ محمد رشيد رضا

149

الوحي المحمدي

بحث في الآيات الكونية التي أيد اللّه بها رسله وما يشبه بعضها من الكرامات ، وما يشتبه بها من خوارق العادات وضلال الماديين والخرافيين فيها تكلمنا في الفصل الثاني في آيات الأنبياء التي تسميها النصارى بالعجائب ، ويسميها علماء الكلام منا بالمعجزات ، ويعدّونها قسما من خوارق العادات ، وكان الكلام فيها هنالك للمقابلة والموازنة بين آيات الأنبياء الكونية وآيات خاتمهم الكبرى العلمية العقلية الدائمة وهي القرآن ، وتأثير كل في الاهتداء إلى الإيمان . ونأتى هنا ببحث آخر في تلك الآيات ، وما يشبهها أو يشتبه بها من الكرامات ، وسائر خوارق العادات ، وما كان من إصلاح الإسلام لضلال البشر فيها ، والصعود بهم إلى أعلى مراقي الإيمان ، واللائق بطور الرشد العقلي لنوع الإنسان ، والعلم الواسع بسنن الأكوان ، الذي منحوه برسالة محمد خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام ، فنقول : آيات اللّه تعالى في خلقه نوعان : ( النوع الأول ) : الآيات الجارية على سننه تعالى العامة المطردة في نظام الخلق والتكوين وهي أكثرها وأظهرها وأدلّها على كمال قدرته وإرادته ، وإحاطة علمه وحكمته ، وسعة فضله ورحمته . ( النوع الثاني ) : الآيات الجارية على خلاف السنن المعروفة للبشر وهي أقلّها وربما كانت أدلها عند أكثر الناس على اختياره عزّ وجلّ في جميع ما خلق وما يخلق ، وكون قدرته ومشيئته غير مقيدتين بسنن الخلق التي قام بها نظام هذا العالم ، فالسّنن مقتضى حكمته وإتقانه لكل شئ خلقه ، وقد يأتي بما يخالفها لحكمة أخرى من حكمه البالغة ، ولولا هذا الاختيار لكان العالم كالآلات التي تتحرك بنظام دقيق لا علم لها ولا إرادة ولا اختيار فيه ، كآلة الساعة الصغيرة التي تعرف بها أوقات الليل والنهار . وآلات البواخر والمعامل الكبيرة . والماديون المنكرون لوجود الخالق ، والفلاسفة الذين يسمونه العلة الفاعلة للوجود يعبرون عن هذا النظام ( بنظرية الميكانيكية ) ، وهم يتكلفون اختراع العلل والأسباب لكل ما يرونه مخالفا لسننه المعروفة ، ويسمّون ما لا يهتدون إلى تعليله من الأمور المخالفة لها بفلتات