الشيخ محمد رشيد رضا
147
الوحي المحمدي
وهذه المزية لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من المزايا التي كان بها حجة على سائر الأمم ، وأهلا لمنصب الإمامة فيها ، قال اللّه تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [ البقرة : 143 ] ، فهي الوسط العدل في الإيمان بجميع الرسل وما جاءوا به من أركان الدين الثلاثة ( كما بيناه في المقصد الأول ) وفي غير ذلك من الفضائل والأعمال . وأما شهادتها على الناس فهي تابعة لما كلفته من دعوة جميع الأمم إلى حقيقة دين الرسل التي تلقتها من خاتم النبيين صلّى اللّه عليه وسلّم وحلّت محلّه في الدعوة إلى ما جاء به من بعده ، فهو صلّى اللّه عليه وسلّم يشهد عليها يوم القيامة كما يشهد كل رسول على قومه الذين كانوا في زمانه كما قال اللّه تعالى : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [ النساء : 41 ] . ومن المعلوم بنص القرآن أنّ بعض الأنبياء والرسل أفضل من بعض بتخصيص اللّه تعالى ، وبما كان لكلّ نبي من عمل في نفع العباد وهدايتهم ، وهي متفاوتة جدا ، قال اللّه تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [ البقرة : 253 ] ، ومن المعلوم بالدلائل العقلية والنقلية أن محمدا خاتم النبيين ، الذي أكمل اللّه به الدين وأرسله رحمة للعالمين ، هو الذي رفعه اللّه عليهم كلهم درجات كما بيناه في تفسير تلك الآية بالإجمال « 1 » ، وفصلناه في هذا الكتاب أقصد التفصيل . وأنك لتجد مع هذا أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لأتباعه : « لا تفضلوا بين أنبياء الله » قاله إنكارا على رجل من المسلمين لطم يهوديا لأنه قال : لا والذي اصطفى موسى على البشر فشكاه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فغضب غضبا شديدا على صاحبه المسلم ، وقاله وبين مزية لموسى عليه الصلاة والسلام في الآخرة ثم قال : « ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى » ، والحديث رواه الشيخان في الصحيحين ، وفي روايات أخرى للبخاري : « لا تخيروا بين الأنبياء » ، وفي بعضها : « لا تخيروني على موسى » . والغرض من ذلك كله منع المسلمين من تنقيص أحد من الأنبياء عليهم السلام ، ومن التعادى بين الناس لأجلهم ، ومن الغلو فيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإلا فهو قد قال في تعليل نهيه عن سؤال أهل الكتاب عن شئ : « واللّه لو كان حيا بين أظهركم ما حلّ له إلا أن يتبعني » . أبو يعلى من حديث جابر .
--> ( 1 ) راجع أول ج 3 تفسير المنار .