الشيخ محمد رشيد رضا
145
الوحي المحمدي
ولما بعث خاتم النبيين الذي بشر به موسى وعيسى والنبيون عليه وعليهم الصلاة والسلام ، وبين الفريقين - اليهود والنصارى - ما اختلفوا فيه من أمر الدين ، ورأوا اليهود والنصارى يتبعونه لعلمهم بأنه جدد لهم دين أنبيائهم عادوه وحاربوه كما تقدم ، ولكنهم استفادوا من نوره صلّى اللّه عليه وسلّم ما حملهم على إصلاح كبير في دينهم قاتل عليه بعضهم بعضا حتى صارت أوروبا فريقين متكافئين في القوة ، وكل ذلك معروف بالتفصيل في العالم كله . ثم حدث بعد ذلك أن حرب دين الإصلاح ( البروتستنت ) ما زال يتدرج فيما خالف فيه دين الكاثوليك والأرثوذكس وهو حرية البحث في الدين حتى صار الملايين من أتباعه لا يؤمنون بعصمة كتب العهد القديم ولا العهد الجديد ، ثم عقدوا مجامع ومناظرات قرروا فيها بطلان القول بألوهية المسيح . ثم حدث في هذا العام أن جاهر الجمهور الأعظم في الممالك الجرمانية بوجوب بناء دين الأمة على قواعد جنسها الآرى ، وهدم قواعد الجنس السامي الدينية وأنبيائه من بني إسرائيل ، فبرز البابا يناهضهم ويصرح بأنهم يعودون إلى الوثنية القديمة فعلم من هذا الحدث الجديد أنّ الديانة النصرانية التي هدمها الشيوعيون في شرق أوروبا وآسيا ( الروسية ) وطفقوا يبثّون الدعوة بهدمها هي وسائر الأديان ، والتي أعقبهم الفاشيون من الجرمان بهدمها في قلب أوروبا - ليست بالديانة التي تثبت في عواصف هذه الفتن الجديدة ، وإنما الذي يقوى على ذلك دين الإسلام وحده . فلا سبيل إلى إنقاذ أوروبا وسائر العالم من فوضى كفر التعطيل والإباحة إلا به . 3 - مسألة الشفاعة : وأما مسألة الشفاعة التي كان مشركو العرب يثبتونها لمعبوداتهم في الدنيا ، وأهل الكتاب يثبتونها لأنبيائهم وقديسيهم في الدنيا والآخرة ، فقد نفاها القرآن وأبطلها وأثبت أن الشفاعة للّه جميعا ، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه : يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ( 28 ) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [ الأنبياء : 28 ، 29 ] ، وقد فصلنا ذلك في تفسير سورة البقرة وغيرها مرارا ( ومنه أن الشفاعة الثابتة في الأحاديث غير الشفاعة والوثنية والنصرانية المنفية في القرآن ) ، وقد قرر هذه المسألة في بضع وعشرين آية من السور المكية والمدنية . فأنت ترى أن القرآن قد بين حقيقة هذه المسألة التي ضل فيها الملايين من البشر فأشركوا